خالد البدر

⭐️ عضو مميز ⭐️
[align=justify]







0




0


كشكول قديم علته طبقة سميكة من غبار الزمن، وتحولت صفحاته البيضاء إلى لونٍ أصفر يحاكي غروب شمس المحيط في يومٍ خريفي، لم يفصح الكشكول العتيق عن عنوانه أو اسم صاحبه، غير أن خط الرقعة الجميل الذي سطرت به تلك الصفحات يشير بجلاءٍ إلى شخصية كاتبه، كان رجلاً وقوراً أو هكذا خيل إلى من طريقة سرده لتلك الوقائع ورسمه لتلك الأحداث، وتجليته لشيءٍ من غموض هذه القصة، بصعوبةٍ وحذرٍ بالغٍ فتحت الصفحة الأولى من ذلك الكراس العتيق، كانت ملتصقةً بغلاف الكشكول التصاق الروح بالجسد، تدفع بالتحامها المتواضع غائلة الفضوليين والمتطفلين على أنات المعذبين وزفرات المحرومين، في وسط الصفحة الأولى من الكراس كتب الوقور هذه العبارات : نسمة روحانية مجهولة حلت علي بدون سابق إنذارٍ، في سفرةٍ من سفرات حياتي، تزلزل كياني بفعلها، وأصاب سهمها وجداني فشطره وأعطبه .


اسمها الأول غطى على اسم أبيها، وأزاح اسم جدها من القائمة، أما اسم العائلة فقد أذعن لها وانقاد، وأسلم لها الزمام وجاد، اسمها مشاعل، حلقة ضوئية باهرة في سلسلةٍ لا تنتهي من مصابيح الدجى، ليست مشعلاً واحداً، بل حزمة مشاعل، كلما جف مشعل وفتر، آزره مشعل فتي إذا ألم بصاحبه الخطر، عريقة من بيت كريمٍ، شابة فاتنة، شريفة عفيفة، طيبة جداً على قسوةٍ حازمةٍ، سطرت لأجلها هذا الكشكول، وتواريت خجلاً في دهاليز الحياة، أسطر بدمي ملحمة حبٍ فريدةٍ !

دفعني فضولي البشري بعد هذه المقدمة المثيرة، وليغفر الله لي تطفلي على خصوصيات الكاتب المجهول أن أقرأ هذه الملحمة ! علني أخرج منها بعبرةٍ أو فائدةٍ محكمةٍ، فكانت هذه الأسطر من لسان الكاتب ويده، لا من عقلي وقلمي .

قال الوقور : كانت تمشي داخل المجمع التجاري على غير هدى، سادرة في غيها وغيها فريد، تتعثر خطواتها في حياء بارز، وتضطرب نظراتها الحائرة في خجل نادر، كاضطراب الفتى العربي في شعب بوان، والذي خلد ببيت المتنبي : ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، كانت يداها تلتقطان عشرات البضائع المختلفة في عشوائيةٍ لذيذةٍ من الباعة والصاغة والعارضين، عطورات، نظارات، بضعة إكسسواراتٍ نسائيةٍ، وعلاقة مفاتيح صيغت من العاج الخالص، بشرتها الحنطية وحجابها الإسلامي أفصحا عن حقيقة الهوية، مسلمة سعودية، أو خليجية، أو حتى عربية ...... لا يهم، قسماتها حائرة للغاية كوردة ربيعية اجتثتها يد عابثٍ من حديقةٍ عامةٍ، ليزين بها شعر حبيبته أو جيب سترته القاتمة .


شعرت بدفءٍ عربيٍ حميمٍ مجهول المصدر في قلب الصقيع الذي غزا وسط المدينة الأوربية وغلفها بقشرةٍ جليديةٍ صلبةٍ، رأيتها أكثر من مرة في السوق المركزي القريب من محل إقامتي، وعند كشك الصحف والمجلات، وأمام معرضٍ متواضعٍ لتنسيق الزهور تشرف عليه عجوز طاعنة في السن، واستشفيت من خلال محيط المنطقة المحصورة للمدينة، أنها تتردد على المركز الطبي المتخصص في علاج الحوادث والكسور والذي امتازت به تلك المدينة عن مثيلاتها من مدن الغرب، ولم يخب ظني أو تخطأ فراستي، رأيتها برفقة والدتها وهما تطرقان ممرات المركز في منتصف نهار يومٍ من الأيام .


وأمام كثرة التردد والقصد، كان لابد للوجوه أن تتآلف، وللنفوس أن تتقارب، تؤازرها الأرواح وتشد من عضدها وتدفعها بقوة إلى أسمى المشاعر الإنسانية ! نحو الحب، أو هكذا أوهمت نفسي ! غير أن الوهم تحول إلى حقيقةٍ ناصعة الألم تصفعني بضراوةٍ لا هوادة فيها ولا رحمة، هكذا إذن، ليكن حباً أو عطفاً أو شفقةً، سمه ما شئت !


إن غربة الأبدان عن الأوطان تجمع الشتات المهاجر، وتسقط الحواجز النفسية، وتكسر جدار الصمت بين أبنائها الغرباء، وهي أم حنون وأخت رءوم على أبناء اللغة والدين، بل وحتى على المحبين، مالت النفس إليها ولاشك في ذلك، بفعل عوامل الوحدة التي أعاني منها وطول الصمت الذي يغلف أرجاء المكان، واستشراف نفسي إلى كفٍ عربيةٍ حانيةٍ تواسي، لا تعاتب ولا تجافي، تحن على عربيٍ غريبٍ حنوا المرضعات على الفطيم، فسقط جدار الوقار الأخير الذي لذت به، فكان انفجاراً طاغياً للعواطف العمياء على حساب العقل والحياء وقناع الوقار الزائف، ما أردتها يوماً خليلةً أو عشيقةً معاذ الله، وما اتخذتني خدناً من أخدانها فيما يظهر لي، أردتها حليلةً في وضح النهار وأشهدت على ذلك ربي .


استكملت علاج والدتها في المركز الطبي، فودعتها وودعتني بنظرةٍ، بنظرةٍ ..... يا إلهي، نظرة لا يمكن أن يعبر عن وصفها ومعناها لسان بشري، نظرة اختزلت حزن الدنيا بأسرها، أما بحر دموعها فكان طوفاناً عاتياً يجرف سعادة الأكوان، عادت إلى وطنها برفقة والدتها، وطال بقائي بفعل ذلك الحادث المشؤوم الذي شوه شيئاً من أطرافي، ما تمنيت الشر لأحدٍ من الناس يوماً، غير أنني تمنيت أن يطول بقاءها لأعانق طيفها في ردهات ذلك المركز الجاف الذي تتوارى فيه شذرات الرحمة والعطف ! اجتررت ذكرياتي وحيداً بعد رحيلها، وضاقت علي الأرض بما رحبت، ولم أطق روحي أو أعلل نفسي بالآمال الزائفة، غير أنني وأمام ضغط العزلة الهائلة، وأنفاس الصمت الكريهة، وقسوة الغربة، كتبت لها هذه الرسالة اليتيمة أسلي بها نفسي، وأجبر بها كسر عواطفي، وأعلل بها قلب محبوبتي .


حبيبتي مشاعل، ثقلت علي نفسي مساء هذا اليوم، وخنقتني عبرات الانتظار والصمت إلا من هسيس أجهزة التنفس التي تربط العشرات من مرضى المركز بخيط دقيقٍ من حياة البؤس والعناء، جفاني الكرى وأرق جفني السهاد، وفارقتني السكينة، فقمت من فراشي ويممت وجهي شطر نافذة الغرفة اليتيمة أرمق الوجه الآخر للحياة، أشجار تثاقلت أغصانها بكساء أبيض من ثلجٍ مجنونٍ، وريح ساكنة تستجمع قوتها لتضرب في صلابةٍ وعنفوانٍ هدوء المركز، وأرض مغطاة ببقع من جليدٍ رقيقٍ ممزق الأوصال، يشبه قميص متسولٍ أضناه الجوع، وفتكت به الفاقة وطحنته الحاجة، شخصت ببصري إلى السماء أرمق فضائها، وأسبر أغوار ظلامها، ومن بين سحابٍ أبيض قطعه الصقيع، ومزقته العواصف، وعبثت به الأنواء، رأيت نجمةً بيضاء ساطعة، يشع نورها في هدوء وثقة، راودتني نفسي أن أسميها باسم محبوبتي، فقلت لنفسي هي مشاعل، ثم تأملت مرةً أخرى في السماء قليلاً فرأيت نجمةً أخرى لا تبعد عنها كثيراً، ذات لمعانٍ جريء، ولم تخطئ عيني النجمة الثالثة وأنا أتنقل ببصري في فضاءٍ سرمديٍ نثرت على رقعته حبات من جمان مختلفة الأحجام والأشكال متعددة الألوان، كانت الثالثة فريدة جداً في المجموعة، ذات شعاعٍ نورانيٍ فياضٍ يكاد يخطف الأبصار إن رمقتيها جيداً .

كنت أتنقل ببصري حائراً بين النجمات الثلاثة، وقد أسميت كل واحدةٍ منهن باسم مشاعل، ولم أقرر أيهن أسمى مكانة، وأجمل بهاء، وأليق بشرف حمل اسمك، وأمام حيرتي وترددي كان لابد أن يدب الخلاف بل وحتى القتال بين تلك النجمات الثلاث، حول أحقية كل منهن بشرف حمل اسمك ونقشه على جبين الشموس والغيرة قاتلة، قالت لي الأولى : أنا أحق بهذا الاسم الغالي منهن جميعاً، لأن اختيارك وقع علي أولاً، والعائد في هبته، كالمفرط في شرفه، ومن الظلم الفادح أن تنتزع هذا الحق مني لصالح أي نجمةٍ أخرى .

واحتجت الثانية بأن لمعانها جريء يشبه جرأة حبيبتي عندما أفصحت مشاعرها بحبي، قالت لي : عرفت حبيبتك بالإقدام في الإفصاح عن العواطف وعدم التردد، ولم تحاول محبوبتك إخفاء عواطفها أو التملص منها، وطيف ضوئي لا تضاهيه أطياف شموس الكون كله، ولا لمعان سديم مجراته، أما الثالثة فقالت : من يحق له أن يتشرف بنقش اسم أعذب ملاك في الكون على قلبه، من صاحبة الشعاع النوراني النقي الواضح ؟ والذي لا يعرف المواربة ولا المخادعة في حقيقة شعاعه ؟

حقيقةً احترت كثيراً وترددت عن اتخاذ أخطر قرار في حياتي، فكل نجمةٍ من تلك الأنجم كانت ألحن في حجتها من صاحبتها، وكل نجمةٍ قدمت مسودة دفاعها بكل شفافيةٍ ووضوحٍ وقوةٍ، وأنا في المقابل لا يمكنني أن أقبل بشطر اسمك بين النجمات الثلاثة مهما كلفني الأمر، فقلت لهن : أدلت كل فاتنةٍ ضوئيةٍ بحجتها، وتساوت جميع المداخلات في كفة الميزان، بأجمل بيان وأفصح لسان، غير أنني قررت أن أنتزع منكن هذا الحق، وأحرمكن من هذا الشرف، لن أنقش هذا الاسم عليكن، ولا على أية واحدةٍ منكن مهما حصل ووقع، ولن أنقشه في المقابل على قلبي، لأن قلبي وإن كان قوياً جداً، فإنه لن يتحمل روعة هذا الاسم ولا طهر صاحبته، أعتقد أنني سأستبدله بروحي، نعم سأستبدله بروحي الفاترة .

ولو فارقت روحي جسدي يوماً فلن أموت ولن يبلى جسدي، لأنه سيبقى حياً خالداً بهذا الاسم، مشاعل، أنا شخصياً يكفني مشعلاً واحداً من حزمة مشاعل، فكيف بحزمة مشاعلٍ كاملةٍ !؟ كلما نفذ ضوء مشعل وخبا، آزره المشعل الآخر كطاقةٍ لا تفنى إلا بقيام الساعة .

هل استمعتم إلى صوتها يوماً، أعذب صوت في الوجود وأرخم وتر، لما تكلمت سمعت صوتها كأنما هو ..... كأنما .... مالي وللتشبيهات التي لا أحسنها، وأين ما يشبه به صوتها ؟ وفيه الخفر وفيه الرقة وفيه فتنة وفيه رفاهية وفيه حياة، نعم حياة، لا تعجبوا فإن من الأصوات الصوت المهذب والصوت الوقح والصوت المرفه، والصوت البائس، وصوتاً خليعاً وآخر صيناً، إن صوتها لينطلق مغرداً في حياءٍ بغير حروف، فسبحان الذي خلقها وأنطقها وشكل أوتارها، ماذا عن ضحكتها ؟ هل حدثتكم يوماً عن ضحكة تحبس نفسي وتلجمني في ذهول ؟ لأنها تعزف كقيثارةٍ أسطوريةٍ لا أجيد وصفها أو تشبيهها، فلا تدري أتضحك صاحبة الصوت، أو تشدو أو تغني، أم تهمس وتمدك همساتها بالحياة !؟ ضحكة تتوقف بمستمعها في منتصف الطريق، فلا يدري هل أدخلته تلك الضحكة إلى الجنة، أم وقفت بمستمعها على مشارف أبواب الجنة، وماذا عن حرفها، وعتابها ؟ يا إلهي إنها ملاك وليست فتاة، ليست فتاة من لحم ودم، إنها ملاك طاهر تطوف حول الأرض وفي أجواء السماوات ! لم أحدثكم يوما عن دلالها، ولا عن غضبها، هي لا تجيد الغضب ولا تعرف الكره، تعاتب وعتابها يقتلني، هي طفلة شقية، لا يمكن إلا أن تكون طفلة، ليست امرأة، ليست جسداً، هي روح تطوف، تصرع كل محب، وتقتل كل عاشقٍ، وتعذب كل مريدٍ .

أعتقد أنها حلم لذيذ، لا أعتقد أنها مخلوقة حقيقة، ماذا لو كنت أحلم، ماذا لو كنت مريضاً نفسياً أعاني من انفصامٍ في الشخصية ؟ والانفصام مرض يشطر روح الإنسان، وإذا كانت ملاكي مرضاً، فهي أجمل مرض وأعذب عذابٍ أصبت به، افتقدتها كثيراً، وتاهت ملامحها عني، فكأني لم أرها من قبل .


كأن فؤادي ليس يشفي غليله - سوى أن يرى الروحين تتلقيان

لو علمت أنها مرت على أرضٍ ما، لوضعت خدي على ثرى خطواتها، للثمت تلك الأرض بقوةٍ، ولوضعت صدري على ذلك الممشى، لست أدري إلى أين أقاد، لكنني جننت وأحببت، قطعاً جننت بالهوى، هي قطعة مني أبد الدهر، ما نبض في عرق وتردد في جوفي نفس، هي مني وأنا منها، هي أنا وأنا هي، لن أتركها ولا أعتقد أنني سأتركها يوماً !

بعد أن تلقت النجمات الثلاث هذا الخبر، واستمعن إلى هذا القرار، نفذت طاقة الأولى وحلقت في هذا الفضاء السرمدي العميق تائهةً من هول الصدمة، كجرمٍ سماويٍ خامدٍ أسود اللون يطلقون عليه اسم النيزك، وأما الأخرى فاختارت الاندماج مع نجمةٍ أخرى باصطدامٍ مروعٍ مؤذن بظهور كوكبٍ جديدٍ، أما النجمة الثالثة فانكدرت وتحولت إلى شهابٍ حارقٍ يدور حول مجرتنا في جنونٍ عميقٍ، يرمق من خلاق دورانه في حسدٍ ناري بذرة حبنا اللانهائية .










ملحوظة مهمة : بقية صفحات الكشكول الغامض لم تفصح عن نهاية هذا الحب الغريب وتطوراته، بفعل اندلاق مشروبٍ مجهول الهوية على تلك الصفحات الصفراء، من أرعنٍ ثقيلٍ لا يحسن القراءة ولا المحافظة على خصوصيات الآخرين .



""""""""""""""










[/align]
 

M A T R I X

SyRiAn.GhOsT
⭐️ عضو مميز ⭐️
مشاركة: قسمات حائرة، خطتها يد مجهول على صدر كشكول مبلول

مشكور حبيب البي على هادا الموضوع الشيق

تقبل مروري
 

ريحة المسك

⭐️ عضو مميز ⭐️
مشاركة: قسمات حائرة، خطتها يد مجهول على صدر كشكول مبلول

بارك الله فيك أخي في الله ..
واسمح لي بحذف جملة من القصة ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله).

قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ـ عز وجل ـ لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم،

وجزاك الله خيرا ..،،
 

المتواجدين حالياً (عضو: 0, زائر: 1)

أعلى