قصة مرافىء الأحزان

الموضوع في 'روايات' بواسطة عتوية كويتية, بتاريخ ‏27 أغسطس 2006.

  1. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    الجزء [1] من قصة مرافىء الأحزان


    وجع الذكريات

    أفاقت رحاب من كابوسها المريع و هي تلهث و تحاول التقاط أنفاسها .. ذلك الكابوس بات كظلها .. لم يفارقها قط منذ حوالي تسع سنوات .. أي من تلك الحادثة ..

    فتحت درجها الذي يحاذي فراشها و أخرجت منه مرآة قديمة .. و وضعتها أمامها .. أخذت تتحسس بيديها آثار الزمن الذي غزى وجهها الأبيض اللون .. بكت بحرقة تدمع لها الأعين و تتفطر لها القلوب .. بكت على ما آل إليه حالها .. لكن هل يعيد البكاء شيئا يا ترى ؟

    رفعت رأسها و صوبت عينيها نحو صورة تتوسط الحائط .. صورة لفتاة حسناء .. يلفح وجهها شعرها الذهبي الناعم .. عيناها الخضراوتان آية من آياته جل و علا .. بشرتها بيضاء كالثلج .. بقى أن تعرفوا بأن تلك الفتاة هي رحاب نفسها عندما كانت في الثامنة عشر ربيعا .. كانت كفلقة القمر .. و كانت تلقب آنذاك بالحسناء الإفرنجية ..

    فاضت عينيها بالدموع .. خنقتها عبرتها .. فاستسلمت لطوفان بكاء مرير .. هاهي الآن تشهد تلاشي جمالها لحظة بلحظة .. أي قلب بشري قادر على تحمل معاناتها .. أطلقت آهات متواصلة تنم عن الألم الذي سكن قلبها منذ كانت في الثامنة عشر من العمر حتى بلغت السابعة و العشرين عاما .. ناجت ربها بصوتها المخنوق : رباه لا أجد لي مكان في هذه الحياة .. لقد ضاقت بي كما ضاقت بوالدي من قبل .. رباه رجوتك أن تأخذني إليك .. رباه خذني إليك ...

    وسط ذلك السيل من الدموع سمعت رحابا طرقا غليظا على الباب .. انتفضت و مسحت دموعها المتلألئة على وجنتيها و بصوتها الذي أرهقه البكاء سألت من هناك ؟
    جاءها الجواب سريعا و فظا : إنها أنا هيفاء .. افتحي لي الباب .. هل سأنتظر كثيرا ؟؟

    و بتثاقل اتخذت رحاب وضعيتها على ذلك المقعد الرمادي و حركت بيديها العجلات متجهة لفتح الباب ..

    يا إلهي .. متى سأظل خادمتك .. صرخت هيفاء
    أطرقت رحاب رأسها و قالت : ما الذي تريدينه مني ؟

    أطلقت هيفاء ضحكات استهزاء و أردفت : و ما لذي سأنتظره من مقعدة .. لا تستطيع حتى السير .. جئت لأخبرك بأن الفطور جاهز و لن ننتظر طويلا .. أفهمت ؟
    أعقبت كلماتها الجارحة بصفعها للباب بقوة كادت أن تحطم فيها ذلك البيت المتصدع ..

    فزعت الأم من ذلك الصوت و هرولت مسرعة و عندما رأت ابنتها هيفاء أدركت بأنه شجار افتعلته هيفاء مجددا .. نظرت إليها .. فأجابت هيفاء : إنها رحاب يا أمي .. ما عدت أطيق وجودها معنا .. إنها عبء كبير مادي , و معنوي .. الا ترين ذلك ؟؟

    نهرتها أمها : كفى .. إنها ابنة المرحومة أختي .. أين تريدينها أن تذهب و لم يعد لها غيرنا ؟؟ ..

    أسندت رحاب رأسها إلى كفيها .. اعتادت أن تسمع هذه الأسطوانة بشكل مستمر .. استرجعت شريط ذكرياتها المؤلم .. عندما كانت في الثامنة عشر عاما كانت فتاة مختلفة .. تعيش في منزل ضخم و تحت رعاية والديها اللذين كانا يكنان لها حبا يفوق الوصف .. كانت مدللة تحصل على أي شيء بل كل شيء .. ورثت جمالها و طيبة قلبها من أمها ..

    لم تكن في ذلك الوقت مقعدة بل على العكس تماما .. كانت كالفراشة التي يفيض منها عنفوان الشباب ..

    لم تكن تلك الفتاة تعرف من هذه الحياة إلا وجهها الجميل .. و لكن كانت للأقدار دور في تغيير مجرى حياتها ..

    ففي ذلك اليوم المشئوم خرجت الحسناء من منزلها .. أو قصرها " إن صح التعبير " و ركبت سيارتها الفارهة و توجهت إلى إحدى المكتبات لشراء بعضا من الروايات و القصص التي أدمنت على قراءتها ..

    لم تكن تقرأ فقط .. بل كانت لها أنامل ذهبية تكتب بها روائع من الخواطر و الروايات .. قضت هناك أكثر من نصف الساعة .. و عادت مرة أخرى إلى سيارتها و أدارت المفتاح لتسلك الطريق المؤدي إلى كليتها حيث تدرس هناك الأدب العربي ..

    لقد اعتادت رحاب أن تسمع الموسيقى الصاخبة و هي تقود سيارتها بسرعة جنونية .. لطالما حُذرت من قبل .. لكن لا جدوى ..

    رأت الأضواء تنطلق من هاتفها الذي كان بقربها .. و كأنه قد عجز أن يوصل رنينه إلى أذنيها .. كانت جارتها هند المتصلة .. ضغطت الزر .. ليرد الطرف الآخر بصوت مرتعش ..

    رحاب .. لقد انتهى كل شي ..

    أخفضت رحاب صوت الموسيقى و أجابت : آلو .. هند لا أسمعك جيدا .. أنا في السيارة ارفعي صوتك قليلا ..

    صرخت هند : رحاب لقد شب حريق في منزلكم و امتد إلى مخازنكم و نقلا والدكِ إلى المستشفى ..

    و ما هي إلا ثوان حتى سقط الهاتف من يد تلك الصبية و فقدت سيطرتها على المقود ..
    و أسندت رأسها إلى مقعد السيارة .. كأنها تعلن بذلك استسلامها لهذا الواقع ..

    انتهى بها المطاف على سرير أبيض اللون .. و تحت أجهزة معقدة وكثيرة .. بالكاد كانت تسمع همسات الأطباء الذين انتشروا حولها ..

    و كان أحدهم يقول : لقد كانت تقود السيارة بسرعة كبيرة .. و اصطدمت بالرصيف لتنقلب السيارة أكثر من مرة .. إذا نجت من هذه الحادثة فتلك معجزة و رعاية من الرب ..

    و حدثت المعجزة فبعد أسبوع فتحت الصبية عينيها لتعلن انتهاء الغيبوبة التي كانت تحت وطأتها .. تمتمت بكلمات لم تكن مفهومة .. لكنها اتضحت بعد قليل من الوقت .. فهي تسأل عن أبيها و أمها ..

    مسكينة تلك الفتاة أفاقت لتصبح يتيمة الأبوين .. لتشهد ضياع ثروتها و عجزها عن السير .. لقد خرجت أيضا من ذلك الحادث بكسور في جسمها و أنفها و بعض أسنانها ..

    و من تلك النافذة التي تطل على سريرها كانت خالتها و زوجها يتبادلان أطراف الحديث ..

    الخالة : أعان الله قلب تلك الفتاة الموجوعة .. كيف سيكون حالها يا ترى ؟
    أجابها زوجها : لا بأس ما إن تتعافى سنأخذها لتقطن معنا ..

    منذ ذلك الحين عاشت الفتاة في كنف خالتها و زوجها .. و قد اختلفت المعايير كثيرا .. فبعد ذلك القصر الضخم أمست تقطن في بيت قديم و صغير .. و بعد المأكل و الكسوة الفاخرة بالكاد تأكل و تلبس البسيط من الطعام و الملابس .. و السيارة الفارهة بدلت بمقعد متحرك ..و تركت دراستها لتخضع لعلاج نفسي كانت مدته ستة أشهر .. هل تصورتم حياتها الجديدة ؟

    فعلا انتهى كل شيء ..

    =
    =
    =
    = قصة مرافىء الأحزان
     
    جاري تحميل الصفحة...

  2. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء الثاني

    واقعها ..

    فُتح باب غرفة رحاب .. التفت رحاب إلى القادم .. كانت خالتها أم فراس .. هاهي تتجه نحوها و قد رسمت ابتسامة عطف و حنان على وجهها ..

    ألقت التحية و اتخذت موضعها أمام رحاب و أردفت : كيف هو حال بنيتي اليوم ؟؟ ..

    ردت رحاب : لازلت حية ..

    قطبت أم فراس جبينها و قالت : لا أحب تلك النبرة المتشائمة ..

    أدارت رحاب رأسها إلى الجهة الأخرى و قالت : أعلم بأني عبء كبير .. و أنتم بالكاد توفرون لقمة اليوم لكم ..و أنا مقعدة عاجزة عن مساعدتكم .. ليتني احترقت هناك .. ليتني مت في السيارة قبل أن يسعفوني إلى المستشفى .. ليتني لم أعش لأكون عبء على الآخرين ..

    بكت رحاب .. و فاضت أنهار الدموع من عينيها المتورمتين ..

    كانت لتلك الكلمات الوقع الشديد على قلب خالتها التي تحبها كما تحب أبنائها " هيفاء و فراس "

    طوقتها بذراعيها و بذلت جهد كبير لئلا تدمع عينيها فتزيد من الأمر سوء ..

    و أردفت : بنيتي أنت لست عبء .. و لا أريدك أن تكرري تلك الكلمات .. فأنت وردة بيتنا و حسناء عائلتنا ..

    ردت رحاب بسخرية : وردة ذابلة .. و حسناء مقعدة .. و ماذا بعد ؟؟

    نظرت لها خالتها بأسى و مسحت شعرها بحنان و أعقبت ذلك : بنيتي كفاك حزنا .. فلتعلمي أن روحي أبواكِ تحفانك و تتفقدانك .. فلا تحزينهما على حالك .. أريدك أقوى و أصلب ..

    حدقت رحاب في وجه خالتها : بالله عليك يا خالة من أين سأجلب تلك القوة ؟ أنا أضعف مخلوق بشري ..

    أجابتها : من أمك .. أنت تشبهينها في كل شيء .. فلتستمدي منها القوة و الصلابة .. عديني بالمحاولة ..

    أشارت رحاب بالموافقة حتى تسعد قلب خالتها على الأقل ..

    استبشرت الخالة و قالت : أما الآن فهيا بنا إلى المطبخ فالجميع بانتظارنا ..

    و قادت الخالة رحاب إلى هناك .. و ما أن دخلتا المطبخ حتى جاءهما تعليق على لسان هيفاء ذات الرابعة و العشرين عاما : و أخيرا تفضلت الملكة رحاب و تنازلت لتدخل مطبخنا البسيط .. وتتناول وجبة الإفطار معنا .. أي شرف هذا ؟!!!

    رمقت أم فراس ابنتها إشارة منها بأن تلتزم الصمت .. وبعد أن التفوا حول المائدة سألت الأم هيفاء : أين والدك و أخوك ..

    أجابتها هيفاء : أبي خرج للتو يقول بأنه تأخر عن عمله .. أما فراس فلم يبت في المنزل .. فقد كان مع أصدقائه كما تعلمين ..

    ردت الأم بامتعاض : نعم تذكرت .. و الآن هيا لنتناول الإفطار .. بسم الله

    في ذلك الوقت كان فراس مع أصدقائه الطائشين قد خرجوا مبكرا ليتسكعوا في الشوارع و يطاردون هذه و يتحرشون بتلك .. يدخنون التبغ .. و يقدمون عروض بتلك السيارة .. للأسف هذا ما انتهى إليه حال شبابنا .. أليسوا هم عماد المجتمع ؟؟ .. أليسوا هم الثروة ؟؟ .. إذا لماذا يكونوا هم من يهدم المجتمع ؟ .. تهدر طاقاتهم بأتفه الأمور .. تائهون .. ضائعون .. باتوا كآلة تقلد الغرب في كل صغيرة و كبيرة .. إن ذلك مؤسف حقا ..

    بينما نجد أبي فراس يتعب و يشقى ليكسب قوته و قوت عياله .. يقصر على نفسه ليرضى أبنائه .. لكن من يقدر جهوده يا ترى ؟؟ بالطبع ليس أبنائه .. فقد اعتادوا السخرية من عمل أبيهم و الدنانير القليلة التي يكسبها .. لكن كل ذلك لا يهمه .. فهو سعيد بما يكسب ..

    و كان يردد : لا شيء يعادل الرزق الحلال .. حتى ولو كان شحيحا .. الحمد الله على كل حال ..

    عند الساعة العاشرة صباحا اعتادت رحاب أن تفتح شباكها المطل على ذلك الشارع القديم في الحي القروي .. كانت تراقب الأطفال كيف يلعبون و يلهون بسعادة .. تمنت لو تعود طفلة و تكون معهم .. كان الأطفال يحبون رحاب حبا جما .. فما أن رأوها حتى تسابقوا للوصول إليها .. تسبقهم ضحكاتهم البريئة التي تبهج رحاب و تسعدها .. تجمعوا حول نافذتها .. لتجود عليهم بقصصها الرائعة .. كانت تلاطف هذا .. و تضحك مع ذاك .. لها قلب طيب قادر على احتواء الأطفال و شقاوتهم .. عندما تكون معهم تنسى أحزانها و آلامها .. وتجد نفسها فتاة أخرى ..

    كانت آنذاك أم فراس تنشر الغسيل على سطح المنزل .. حتى وافتها جارتها الثرثارة كما لقبتها نساء الحي ..

    فألقت التحية و باغتت أم فراس بسؤالها : هل وافقت ابنتك على العريس المتقدم لخطبتها ؟

    أجابت أم فراس : أنا لا أعلم .. لا زالت تفكر ..

    قالت الجارة : انه شاب جيد .. يجب أن لا تضيعه من يدها .. كما أنها لم تعد صغيرة .. و رفضها المستمر لكل من يتقدم لها ليس في مصلحتها ..

    الأم : لا أستطيع إجبارها على شيء ..

    و بخبث أردفت الجارة : أنتم هكذا .. أولادكم هم من يتحكمون بكم ..
    قالت الأم : عذرا لدي أعمال كثيرة بانتظاري .. إلى اللقاء ..

    توجهت الأم إلى غرفة هيفاء و ما أن فتحت الباب حتى أصفر وجه هيفاء و أغلقت السماعة بارتباك .. نظرت لها الأم بريبة و قالت : من كنت تحادثين ؟ أجابتها هيفاء : زميلتي في العمل .. لأعتذر عن الذهاب اليوم ..

    الأم : ولماذا ؟

    هيفاء : متعبة قليلا ..

    الأم : أردت معرفة رأيك في من تقدم لخطبتك .. ردت هيفاء : لا أريده .. دخله محدود .. و يعيل أمه العجوز ..

    اقتربت الأم قليلا و حدقت في وجهها لبرهة .. و أعقبت ذلك بسؤالها : من تريدين إذن ؟؟
     
  3. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء الثالث

    السكون الذي تتبعه العاصفة


    السكون سلطان ذلك البيت القديم .. كل فرد من تلك العائلة توجه لغرفته و أوصد الباب من خلفه .. إلا فراس دائم الغياب عن البيت و رب الأسرة الكادح الذي يفرض عليه عمله العودة في الساعة التاسعة مساءا ..


    ساعة الحائط قد قرعت تعلن عن بلوغها السادسة مساءا .. في تلك الغرفة الصغيرة نرى رحاب قد توجهت إلى ربها لأداء صلاتها في محرابها .. تراها خاشعة تتضرع و تناجي ربها .. تجدها غارقة في ذلك العالم الروحاني .. بعيدة عن آلامها و أحزانها .. مطمئنة النفس و السريرة .. صدق الله العظيم حين قال : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .. حتى القلوب المحطمة و المتعبة تجد دواءها عنده سبحانه وتعالى ..


    من يجدها هكذا لا يصدق أنها رحاب المستهترة التي لا تفقه الإسلام و لا تعرف حقه .. لم تداوم من قبل على أداء الفرائض و العبادات إلا عندما انتقلت إلى بيت خالتها .. فزوج خالتها هو من أرشدها إلى طريق الهدى و الصلاح حتى لا تكون مسلمة فقط بالقول بل بالفعل أيضا ..


    في تلك الأثناء سُمع دوي صرخات غلبت ذلك السكون .. فاهتزت له جدران ذلك البيت .. لابد بأنها لا تبشر بالخير ..

    فزع كل من في البيت و خرجوا يهرولون قابضين أيديهم على أفئدتهم .. و قد ظهرت على وجوههم آثار الفزع و الهول ..

    سيل من الضحكات كانت الرد على كل هذا .. نعم ضحكات كان وراءها ذلك الفتى فراس لازال طائشا غير واع ومقدر لعواقب الأمور .. فهو لا يرى أبعد من أنفه ..

    ظل يتصفح الوجوه المذهولة و يسخر و يقول : يا إلهي ألهذه الدرجة أفزعتكم ..

    صرخت به والدته : إلا تخجل من نفسك .. كدت أن تقتلني من الفزع .. لماذا فعلت ذلك ؟

    أجاب بحدة : جئت أريد بعضا من النقود .. 50 دينارا ..

    نظرت له أخته بعصبية : لذلك تصرخ ؟؟ عد من حيث أتيت لقد أجهدت نفسك من أجل لاشيء .. نحن لا نملك ذلك المبلغ .. فقر ألا تعلم ما هو الفقر ؟؟

    شد فراس قبضته على يد أخته و هو يقول : لابد أنك تملكينه .. ألست تعملين ؟ إذا أين هي أموالك ..

    ردت هيفاء : هل تريدني أن أنفق عليكم .. أموالي لي وحدي و لن أبددها عليكم ..
    قالت الأم بانكسار و حسرة بالغين : بني .. ليس لدينا ذلك المبلغ .. كما أن أباك ليس هنا ..

    نظر فراس للقلادة التي على جيد أخته ثم قال : أعطني تلك القلادة .. صرخت هيفاء : لا .. لن أعطيك إياها ..

    لم ينتظر الفتى كثيرا بل انتزع تلك القلادة بقوة تركت على إثرها جروح و آثار على رقبة هيفاء .. و خرج غانما بصيده .. فما كان بهيفاء إلا أن تصرخ و تسرع لغرفتها ..

    تقف الأم عاجزة أمام هذا الموقف .. غارقة في حيرة بالغة هل ذلك الوحش القاسي الذي خرج للتو هو ابنها فراس .. هل يعقل هذا ؟؟

    لم يعد لها احترام و تقدير .. بل لم تعد لديها كلمة مسموعة ..هذا الإجحاف و التقصير من الأبناء هل هي عامل من عوامله .. أو سبب من مسبباته ..

    شدت رحاب على يد خالتها و طبعت قبلة على رأسها و أردفت : لا تزعجي نفسك يا خالة .. يبدو بأنه لازال طفلا ..

    أجابت الأم : طفل ! يبلغ من العمر عشرين عاما .. و تنعتينه بالطفل .. إما آن الأوان ليكبر ..

    ردت رحاب : لا عليك لابد أن يعرف بأن ما يفعله هو الخطأ بعينه .. و الآن اذهبي لترتاحي في غرفتك.

    تنهدت الأم : كتب علي الشقاء يا ابنتي فمن أين ستأتي الراحة .. و همت تجر أذيال الخيبة و الخذلان .. ثم أقفلت خلفها الباب لعله يستر شيئا من أوجاعها عن الناس ..

    أحست رحاب بمعاناة خالتها لقد أعطت من دون مقابل لم تكن تنتظر إلا نتائج عطائها تماما كالفلاح الذي يترقب إثمار جهده و نجاحه ..

    كذلك أحست رحاب بضرورة محادثة هيفاء للتخفيف من ثورة غضبها و حتى لا تصب ذلك الغضب على خالتها ..

    فاتجهت إلى غرفة هيفاء لكنها سمعت صرخات توبيخ و لوم ..

    عجبت رحاب لذلك الأمر من تحادث هيفاء ؟؟ تفقدت الردهة لتستوثق من وجود الهاتف .. لكن الأمر ازداد غرابة بوجود الهاتف هناك ..

    ازدادت علامات التعجب و الاستفهام على وجهها .. ذلك اللغز بحاجة لحل و هيفاء هي من تملك ذلك الحل .. عادت الفتاة مرة أخرى لغرفة هيفاء و أسندت رأسها إلى باب الغرفة بعد تردد كبير .. لقد كان نص حديث هيفاء كالتالي ..

    تتزوج .. لا .. ألم تقل لي بأنك تحبني .. لقد اتصلت بك لتواسيني لا أن تزيد الأمر سوءا .. أي ظروف تلك التي تتحدث عنها ..

    كلمات متقطعة مهزوزة .. غلب عليها البكاء و النحيب ..

    شهقت رحاب .. و أردفت : كارثة جديدة على مقربة من البيت .. رباه كيف لخالتي أن تحتمل ..

    لم تنتظر طويلا بل فتحت الباب بقوة يسبقها الخوف والوجل على مصير هذه الفتاة ..أردفت رحاب : ألديك هاتف محمول أيضا ..

    ارتعبت هيفاء و أغلقت الهاتف و صرخت : من أعطاك الحق لدخول غرفتي من دون استئذان ..

    أجابت رحاب :جئت لأخفف عنك .. لكني لم أعلم بأن هناك شخصا آخر يقوم بالمهمة ..

    صمتت لبرهة ثم أردفت : دعيني أخبرك شيئا .. لا تكوني تسلية بيد كل من هب و دب .. أنت أكبر من أن تعرضي نفسك عليهم كالسلعة الرخيصة و بأسلوب مبتذل و مهين ..

    كوني جوهرة لا يصل لها إلا المثابر و المجد .. ألا تشعري بقيمتك يا فتاة ..

    أدارت هيفاء ظهرها غير آبهة لكل ما قد قيل .. و قالت : لست مستعدة لأن أدخل معك في حوار عقيم فأنتي لم تعرفي الحب .. لذلك لن تفهميني يا عانس ..

    طأطأت رحاب رأسها و خرجت من تلك الغرفة و قد امتلأت عينيها بالدموع .. استوقفها رنين الهاتف فأسرعت لتجيب و كان الطرف الآخر سارة صديقتها المسافرة التي ستعود بعد غد حتى تشاركهم صيام شهر رمضان واعدة إياها بأخبار سارة تحملها في جعبتها ..

    أرجعت رحاب السماعة إلى الهاتف و قد انتابتها بعض مشاعر الفرح اثر تلك المكالمة .. لكن ذاكرتها تأبى السعادة لقد عادت كلمات هيفاء ترن في أذنها ..

    بعد ذلك قالت : أنا من عرف الحب حق معرفته يا هيفاء ..
     
  4. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء الرابع

    الليلة الطويلة

    نفضت رحاب عن ذاكرتها غبار الماضي و همت بالذهاب لغرفة خالتها حتى تتفقد أحوالها

    طرقت الباب واستأذنت لتدخل ..
    رأت خالتها تبكي فصعب عليها حالها .. حركت عجلات الكرسي لتصل إليها ..

    ثم أردفت : يا خالة يجب أن تخبري عمي بالأمر .. لا تجملي له صورة فراس و تصفينه بالابن البار .. أنه لا يعرف عن طيشه و تصرفاته المخجلة شيئا .. أنت بذلك تدمرينه يا خالة .. يجب أن يقف أحد في وجهه ليرشده و ينصحه .. سكوتك لن ينفعه ..

    ردت الأم : بنيتي .. ربما أخطأت لكن ذلك كان حرصا مني على فراس ووالده .. إن عرف والده بكل هذا .. ستحل الكارثة .. و سأخلق عداوة بين الأب و ابنه .. فأنت تعلمين أبا فراس ..
    يا إلهي هل كنت على صواب أم خطأ ..

    لم تشأ رحاب أن تزعج خالتها أكثر .. فتناست ما فعلته هيفاء قبل قليل

    و أردفت : خالة .. أنسيت أن بعد غد هو أول أيام الشهر الفضيل ؟

    أجابت الأم : أوه , ذكرتني .. لم نستعد له جيدا هذا العام حتى أن راتب أبي فراس لم يستلمه إلى الآن ..

    قاطعت رحاب خالتها قائلة : نستعد لشهر رمضان بالأعمال الصالحة لتقربنا أكثر من الله .. لا بأطباق الطعام وما شابه .. حتى لا نجحد هذا الشهر حقه يجب أن تكون لنا نية صادقة و نظرة واعية لهذا الشهر .. ولا بأس بعد ذلك أن نفكر بالنواحي الأخرى ..

    انه شهر الغفران للذنوب .. وليس شهر التنويع في الطعام ..

    ثم اقتربت رحاب من خالتها و قبلتها و أردفت : كل عام وأنت أقرب إلى الله ..

    فابتسمت الخالة و قالت : أنا فخورة بك يا رحاب .. ليت أبنائي مثلك .. بل ليت البشر مثلك عزيزتي ..

    قطع حديثهم دخول أبو فراس .. فألقى التحية وقال : رحاب كيف حالك ؟

    أجابت رحاب : بخير ما دمت بخير يا عماه .. أنا سأستأذن الآن .. قاطعها قائلا : إلى أين ؟ ابقي معنا قليلا ..

    ردت رحاب : أنت منهك و يجب أن ترتاح ..

    خرجت رحاب من الغرفة و توجهت رأسا لغرفتها لتتجنب أية مشاحنات بينها و بين هيفاء ..

    نظرت أم فراس إلى زوجها .. كانت تود أن تخبره ولكن ..

    قطع تفكيرها قائلا : عيناك تقولان الكثير .. أفصحي عما يخالجك عزيزتي .. و لا تكتمي أي شيء عني ..
    قالت : هو أمر أود إخبارك به لكن رجوتك أن لا تغضب و تأخذ الأمر بحكمة و روية كما عهدتك ..

    أجابها : لقد أفزعتني .. ما ذا هناك ؟

    أخبرته بعد ذلك بكل ما كتمته من تصرفات فراس و طيشه .. إلا أنه شاط غضبا .. و أقسم أن لا يعود إلا وفراس معه ..

    سمعت رحاب الجدال بين زوج خالتها و خالتها .. فأسرعت بذلك الكرسي .. وخرجت من غرفتها لتجد خالتها تبكي و تندب حظها العاثر .. فاستقرت بقربها لمواساتها ..

    بعد ثوان فُتح باب غرفة هيفاء و أطلت منه .. ثم أردفت : أليس من الظلم أن أعيش هنا ؟؟ مشاكل و مشاجرات دائمة ..

    قذفت تلك الكلمات غير آبهة لما قد حصل ..

    رمقتها رحاب ثم قالت : أهذا ما استطاعت شفتاك قوله ؟

    ردت هيفاء : تركت كل شي لك يا حكيمة .. و اتجهت لغرفتها و هي تتمتم متى ستتغير حياتي متى ؟

    مكثت رحاب مع خالتها .. تنتظران نهاية أحداث هذه الليلة الطويلة التي تأبى أن تنتهي ..

    حتى بلغت الساعة الواحدة .. عند ذلك الوقت فتح الباب .. وهاهو أبو فراس قد وفى بوعده و أحضر فراس معه .. كانت عيناه تقدح شررا ..

    بعد ذلك أدخله غرفته و أقفل الباب عليه مزمجرا : سأعيد تربيتك مرة أخرى .. و دخل الأخير غرفته .. فهرولت أم فراس لتدخل من بعده ..

    أطفأت رحاب المصابيح و توجهت لغرفتها بعد ليلة حافلة بالعواصف ..

    في الصباح أفاقت رحاب على جدال آخر .. لم تشأ الخروج لاسيما أن فراس دائما يذكرها بأنها ضيفة و لا يحق لها أن تحشر أنفها فيما لا يعنيها ..

    لهذا آثرت المكوث في غرفتها لتكمل روايتها الأخيرة التي شارفت على الانتهاء .. لم تكن تعرض ما تكتبه إلا على صديقتها سارة فقط ..

    باشرت بكتابة الإهداء ..

    إلى كل من حلم و مل الحلم ..
    إلى من زج نفسه في دوامة الوهم

    أهدي ( كيمياء النفس البشرية )

    رحـــــــــــــــــــــــــــــــاب
     
  5. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء الخامس ..

    وعادت العاصفة


    في صبيحة أول أيام شهر رمضان المبارك .. أفاقت رحاب بعد ليلتين مضنيتين غلب عليهما الشجار و الصراخ بين فراس ووالده .. و أمسى منزلهم على كف عفريت .. الجميع خائف مما سيحدث .. فالأب أصبح وحشا يضرب و يصرخ .. و هذا أمر غريب عليه .. حتى أنه أخذ إجازة من عمله ليتفرغ لتربية ابنه كما يردد دائما ..

    عندما خرجت رحاب من غرفتها مرت بالقرب من غرفة هيفاء و كان الباب مفتوحا آنذاك ..

    فألقت نظرة سريعة على الغرفة .. وجدت هيفاء تضع المساحيق على وجهها .. و تحولت إلى لوحة زيتية متعددة الألوان .. عجبت رحاب لهذا الأمر .. ما الذي يدعوا هيفاء للتزين في هذا الصباح وبدون مناسبة ؟!!!

    قطع تفكير رحاب صوت الهاتف النقال الخاص بهيفاء ..

    عندها أجابت هيفاء عليه : أنا قادمة .. وخرجت من غرفتها و رأت رحاب أمامها فثارت ثائرتها .. و بدأت في الشتم و الصراخ ..

    حتى أن أمها سمعت بذلك و أتت مسرعة : كفى .. أباك لم ينم طوال الليل .. كفاك صراخا .. ثم إلى أين عساك ذاهبة و هذه المساحيق قد غزت وجهك ..

    ردت هيفاء : إلى صديقتي .. كما تعلمين تغير وقت العمل .. فهذا هو أول أيام شهر رمضان
    الأم : ها أنت تعرفين ذلك .. فهل ستخرجين هكذا ؟؟

    فأخرجت هيفاء من حقيبتها النقاب ووضعته على وجهها .. وولت هاربة من أية أسئلة أخرى ..

    تنهدت الأم وعادت إلى المطبخ مرة أخرى .. رحاب لا تزال في مكانها تأخذها الظنون .. ثم أبعدت عن رأسها كل ذلك و قررت أن تذهب لقراءة القرآن في غرفتها فذلك أفضل ..

    أفاق الأب من غفوته التي لم تستمر إلا سويعات قليلة .. واتجه إلى غرفة فراس و بحوزته مفاتيح الغرفة .. أصبح مزاجه معكرا و لم يعرف الابتسامة من ليلتين تقريبا ..

    صب غضبه على مقبض الباب و فتحه بقوة .. لـ ــ ــكن .. استوقفته رائحة غريبة ..

    وقف قليلا ثم قال : نعم .. إنها رائحة سجائر ..

    ثم نظر لفراس المتسمر في مكانه و سأل : أليست تلك رائحة سجائر ؟؟

    قفز فراس من مكانه و أجاب : لا بد بأنها آتية من الخارج .. سأغلق النافذة ..

    لكن الأب بدأ يفتش الغرفة و قلبها رأسا على عقب حتى وجد ضالته .. سجائر حديثة الاستعمال !! ماذا يعني هذا ؟؟ لا .. هل يمكن هذا ..

    توقف الأب لبرهة في مكانه .. و ما هي إلا لحظات و باغت فراس بصفعة صرخ على إثرها فراس و سقط على الأرض ..
    أسرعت رحاب و خالتها ووقفتا أمام باب الغرفة .. لا تمتلكان الجرأة للدخول أو حتى التحدث ..

    انتصب فراس ووقف مرة أخرى .. وصرخ : لماذا ضربتني ؟

    الأب : اصمت .. هل وصلت بك الحقارة أن تفطر في شهر رمضان و على ماذا ؟؟ على سجائر حقيرة
    !!
    و ما أن أتم جملته حتى شهقت رحاب و خالتها غير مصدقتين هذا الأمر .. هل يعقل هذا ؟؟ يا أبا فراس قل غير ذلك ..

    لكن صوت فراس جاء مؤكدا : نعم أنا لا أصوم .. و لا أصلي و لا أؤدي عباداتكم تلك .. لمن أفعل كل هذا ؟؟ لمن حرمني السعادة و أحاطني بجدران الفقر و الحاجة ؟؟ أبي عندما أكون غنيا سأصلي له و أصوم و أفعل ما تريده .. لكن الآن لا .. و لن تجبرني على ذلك ..

    صعق الأب .. فقد جاءت كلمات ابنه كالسكاكين التي قطعت فؤاده و آلمته

    .. صرخ : أنت تكفر !! استغفر ربك ..

    أجاب مستهزأ : و ماذا يعني ذلك .. دينك و مبادئك لم يفيدوني بشيء .. كلماتك التي حشوت بها آذاننا لم يعد لها مفعول كما في السابق .. كنا أطفال نصدق أكاذيب قيمك ..

    وها قد كبرت و أصبحت واعيا لكل ما تقوله .. لا تضحك على نفسك و علينا .. هل تعتقد فعلا بأن لنا ربا كالأغنياء ؟؟

    جاءه الجواب كالسهم الذي اخترق قلبه .. و انتابته حالة هستيرية ..

    و أخذ يزمجر : لا تدنس هذا البيت بقذارة كلماتك .. اخرج ولا تعد .. لم يعد لي ابن اسمه فراس ..

    خرج فراس سعيدا ضاحكا : و من أخبركم بأني سأعود ؟؟

    لم تعد قدما الأب تساعدانه على الوقوف .. هوى على الأرض .. و أسعف بعد ذلك إلى المستشفى ووضع تحت العناية القصوى .. لقد أصيب بأزمة قلبية كادت أن تنهي حياته .. لولا لطف الله ..

    مكثت الأم معه .. بعد أن أوصت رحاب بهيفاء ..

    بقت رحاب تفكر بما حصل لهم .. لم تستطع أن تصدق ما حدث ..أبهذه السهولة يا فراس تقذف كلماتك الشيطانية ..

    يا إلهي هل الفقر حقا هو السبب ؟؟ لكن هناك الكثير من هم أشد فقرا .. لكن تجدهم شاكرين لله ..

    تذكرت رحاب كلمات قرأتها في السابق لكنها لم تدرك ما ترمي إليه .. و أخذت تتمتم : حقا .. ما أن دخل الفقر بيتا حتى قال له الكفر خذني معك ..

    الآن فقد أدركت المغزى ..

    تذكرت رحاب المسئولية الكبرى الملقاة على عاتقها .. هيفاء .. ماذا عساك تخفين عنا ؟؟ و ما سر تلك التصرفات الغريبة ..

    شهقت رحاب .. أخشى أن تكون ... و بترت جملتها على الفور ..
    من تراه سيساعدني عليها .. فلسانها سليط وحاد كالسيف .. ولا أستطيع إخبار خالتي بما يحدث .. فالظروف تمنعني من ذلك ..

    حسنا .. يبدو بأني في ورطة كبيرة ..

    أحست رحاب ببعض الجوع .. فألقت نظرة على الساعة .. لقد كانت الرابعة عصرا .. ولم تعد تلك الفتاة بعد ..

    قلقت رحاب .. ولكن قلقها تفاقم عندما سمعت طرقا على باب المنزل .. فانتفضت مذعورة .. من تراه يطرق الباب ؟؟
     
  6. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء السادس

    هل سيبتسم القدر ؟

    خافت رحاب كثيرا .. إنها المرة الأولى التي تبقى بمفردها في المنزل .. و هذا الطرق على الباب يزيد الأمر سوءا .. هل أذهب أم أبقى ؟؟

    لعله شيئا مهما .. عن هيفاء مثلا أو حتى فراس .. حسنا سأذهب الآن ..

    تنهدت بعمق بعد ذلك توقف صوت طرق الباب ..
    شعرت رحاب ببعض الارتياح .. لكن عادت الطرقات بشكل أقوى من السابق ..
    أسرعت رحاب و استقرت خلف الباب بعد أن لفت خمارها جيدا
    و سألت : من الطارق ؟ جاء الصوت ناعما و مألوفا : أنا يا رحاب ..

    ابتهجت رحاب و أسرعت لتفتح الباب .. كان الطارق صديقتها سارة ..
    يبدو بأنها عادت من ألمانيا ..

    استقبلتها رحاب و قد فاضت دموع الفرح في مآقيها .. سارة كم اشتقت إليك ..

    سارة صديقة رحاب منذ المدرسة الابتدائية لقد كانتا ثنائيا رائعا ..
    سارة تزوجت منذ أربع أعوام مضت و لم تنجب إلى الآن ..
    متشابهتان في طباع كثيرة لكن سارة لا ترتدي الحجاب كما كانت رحاب في السابق ..

    فرحاب ارتدت الحجاب بعد أن انتقلت إلى بيت خالتها .. و شعرت بعد ذلك بأهميته و فائدته .. فأصبحت سعيدة بارتدائه .. وكم مرة حاولت رحاب أن تقنع صديقتها به لكن لا فائدة تذكر
    جلست سارة على الأريكة و كانت رحاب بجانبها .. و بعد أحاديث طويلة قالت سارة : أحمل لك أخبار سارة ..

    ابتسمت رحاب : حقا .. هل حصل و أخذت تنظر لبطنها ..

    لكن سارة أشارت بالنفي ثم قالت : يا عزيزتي .. تلك الأخبار تخصك أنت و لست أنا ..

    فتحت رحاب عينيها : حقا !!
    أجابتها سارة : نعم .. أتذكرين يا رحاب روايتك " كيف تموت الملائكة " ؟؟

    أومأت رأسها إيجابا ..

    فأتمت سارة حديثها : لقد انتهيت من قراءتها عندما كنت مسافرة و لقد التقينا هناك بمجموعة من معارف زوجي .. كان أحدهم صاحب دار من دور النشر الضخمة ..
    فعرضت روايتك عليه .. و لم يستطيع إخفاء دهشته بما أبدعته يديك ..
    رحاب لقد أعجبته روايتك و أراد أن ينشرها لك ..
    و ستقبضين بالمقابل مبلغ لا بأس به ..

    فتحت رحاب ثغرها غير مصدقة هل من المعقول .. أن يتحقق حلمي بعد كل تلك السنوات .. تمنيت ذلك سابقا و لكن بعد كل ما حدث لي ..
    لم أتوقع أن يبتسم لي القدر مرة أخرى .. و يفتح لي باب من أبواب أحلامي قد أغلقته بالشمع الأحمر ..

    هزت سارة رحاب : رحاب .. رحاب .. فيما أنت شاردة ؟؟

    نفضت رحاب عن رأسها كل تلك الذكريات و أجابت : في أحلام الماضي ..

    سارة : إذا .. هل أنت موافقة ؟؟

    رحاب : هل أنت موقنة بإعجابه بها ؟؟

    سارة : بالتأكيد ..

    رحاب : إذا أنا موافقة ..

    تحدثتا كثيرا .. وضحكتا كثيرا .. لكن توقفت سارة فجأة عن الضحك .. و كأنها تذكرت شيئا ..

    نظرت لها رحاب بقلق : أهناك شيء آخر ؟

    صمتت رحاب ثم استطردت قائلة : نعم .. أريد أن أخبرك بأمر .. لكـ ــ

    إذا أخبريني ( قالت رحاب )

    بدت سارة متلعثمة و مترددة لكنها تغلبت على كل هذا
    و قالت : رحاب أتذكرين .. إيـــ إياد ؟؟

    صعقت رحاب و أحست بأن دوامة الزمان تدور بها وتعيدها إلى ذلك الشاب ..
    بكت وهاجت : و هل تعتقدين لوهلة بأني نسيته ؟

    إيـــــــــــــــاد .. من عساه يكون ؟ و ما هي حكايته مع رحاب ؟؟
     
  7. عتوية كويتية

    عتوية كويتية عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أغسطس 2006
    المشاركات:
    171
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    0
    مشاركة: قصة مرافىء الأحزان

    الجزء السابع

    هشمتني الذكريات


    أفاقت رحاب من دوامة الذكريات تلك .. نظرت لصديقتها نظرة ملئوها العتاب و اللوم و أردفت : لم يا سارة ذكرتني به ؟ لماذا ؟ و أجهشت بالبكاء ..

    كانت سارة نادمة على ما قالته .. ليتها ابتلعت لسانها قبل أن ينطق و يعذب صديقتها كالسوط تماما ..
    و يعيدها إلى ذكريات هشمتها من قبل ..

    أسرعت سارة لتعانق صديقتها بحزن قائلة : أنا آسفة يا عزيزتي .. لم أكن أعلم بأنك لازلت تعانين بسببه ..

    كان إياد هو أحد جيران رحاب القدامى ..
    كانا يحبان بعضهما كثيرا و كان سيخطبها لو لا تلك الحادثة ..
    كانا يطلق عليهما روميو و جولييت ..
    كانت أصدق قصة حب عرفها الناس .. لكنه بعد الحادثة حطم كل هذا ..
    و سافر لخارج البلاد .. ولى وهرب .. لم يكترث لمشاعرها .. كأن الذي بينه و بينها خيط مهترىء قطعه وولى بالفرار ..

    أوقفت رحاب طوفان بكائها و مسحت دموعها التي أغرقت بها كفيها ..
    و قالت : لقد طعنني و هرب .. لم أكن أعلم بأني عشت في وهم طوال سنوات حياتي تلك .. نعم كان وهم الحب .. لم أعد أناسبه .. وماذا يريد بعاجزة مثلي .. و دفنت نظراتها في الأرض ..

    سارة : لا تبكي يا رحاب .. فطرت قلبي .. ليتني لم أذكر اسمه .. بل ليتني لم آتي إلى هنا حتى أزعجك هكذا ..

    تمالكت رحاب نفسها وقالت : لكن ما الذي كنت تريدين قوله ؟؟

    أجابت سارة : لاشيء .. فقط رأيته هناك في ألمانيا

    قطع حديثهما دخول هيفاء المنزل و بحوزتها أكياس كثيرة .. ودخلت غرفتها و صفعت الباب من خلفها دون أن تعيرهما أي اهتمام ..

    ثارت رحاب ودت لو تهشم رأس تلك اللامبالية ..
    وضعت يداها على عجلات مقعدها و همت مسرعة إليها ..
    بينما وقفت سارة في حيرة من أمرها .. عاجزة عن فعل أي شيء ..

    أمسكت رحاب مقبض الباب و اندفعت مسرعة إلى الداخل ..

    دهشت هيفاء و نظرت إليها نظرة ملؤها الغضب : هل جننتِ ؟

    ردت رحاب : أين كنت طوال هذا الوقت ؟

    رفعت هيفاء حاجبها مستهترة : و من أنتِ حتى أخبرك ؟

    تقدمت رحاب قليلا و أجابت : أنا المسئولة عنك الآن .. فيجب أن تعرفي أن أباك في المستشفى و معه والدتكِ .. و أعطوني الحق بأن أتدبر أموركِ ..

    لم تهتم هيفاء بالتفاصيل كثيرا .. بل حركت كرسي رحاب و أخرجته ..

    وقبل أن تغلق الباب قالت : أنت واهمة .. كوني مسئولة عن نفسك أولا ثم على الآخرين .. و أغلقت الباب ..

    أدركت رحاب أن مسئوليتها بالفعل شاقة .. كيف لها أن تسيطر على تلك الفتاة .. كان الله في عونك يا رحاب .. كيف ستتدبرين أمورك الآن ؟!

    تذكرت صديقتها و عادت إليها تجر أذيال الخيبة .. بعدها استأذنت سارة لان الوقت تأخر و هاهي الساعة السادسة مساءا ..

    غادرت الصديقة و غادرت رحاب بدورها الردهة متوجهة لغرفتها لتؤدي صلاتها ..

    و بعد أن فرغت .. ذهبت لتتصل بزوج خالتها و خالتها للاطمئنان عليهما ..

    رحاب : مرحبا .. هل يمكنني مكالمة المريض محمد جاسم محمد في جناح رقم ** غرفة رقم * ؟

    الموظفة : بالتأكيد .. تفضلي

    و بعد أن وصل الخط بينهما ..

    تحدثت رحاب مع خالتها و اطمأنت على حال زوج خالتها و طلبت محادثته ..

    رحاب : مساء الخير يا عمي

    أبا فراس : مساء النور يا عزيزتي

    رحاب : كيف هو حالك الآن ؟

    صمت أبو فراس قليلا ثم قال بنبرة ضعف و حزن : الحمد الله

    رحاب : ننتظر عودتك .. فالمنزل موحش من دونك ..

    أبا فراس : آه .. يا بنتي

    أدركت رحاب عمق معاناة عمها فقالت : أنت لم تقصر في واجبك و الله يهدي من يشاء

    أبا فراس : لم أصدق ما حدث .. ليته كان حلما .. بل ليته كان كابوسا ..

    أحست رحاب بأن مواصلة الحديث سيتعب عمها .. فأنهت المكالمة سريعا .. و من ثم ذهبت للمطبخ لتجهز العشاء و عند خروجها و جدت هيفاء تستعد للخروج مرة أخرى .. لا .. وبهذا الوقت !!

    صرخت : إلى أين ؟

    لكن لا حياة لمن تنادي .. أدركت بأن هذه الفتاة تستغل الفرصة و تخرج كما تشاء ..

    أمسكت بيدها.. توسلتها أن تبقى .. قبلت يدها لتعود عن ذلك الجنون .. لكن محاولاتها باءت بالفشل ..

    انتزعت هيفاء يدها قائلة : يبدو بأنك ستبقين بمفردك كثيرا يا عزيزتي ..

    و قبل أن تخرج ابتسمت ابتسامة صفراء و قالت : لا تنتظريني .. فسأتأخر كثيرا ..

    و أغلقت الباب .. لتغلق آخر أمل لإصلاح نفسها ..
     

الاعضاء الذين يشاهدون محتوى الموضوع(عضو: 0, زائر: 0)