جنون المطر -للكاتبة:برد المشاعر

الموضوع في 'روايات' بواسطة عوق المزايين, بتاريخ ‏7 أكتوبر 2018.

  1. عوق المزايين

    عوق المزايين .. عضو مميز ..

    إنضم إلينا في:
    ‏24 سبتمبر 2018
    المشاركات:
    1,004
    الإعجابات المتلقاة:
    571
    نقاط الجائزة:
    300
    الجنس:
    أنثى
    الإقامة:
    المملكة العربية السعودية❤️
    وقف واستدار لهم ليعكس الليل بريقه المظلم في سواد عينيه

    ونظراته الواثقة وقال بحزم " سنفترق هنا ونتقابل في

    منطقة السد "

    قال المقبل له باحترام شديد " والاجتماع سيدي ؟ "

    فاشتدت نبرته الحازمة لتظهر بحة صوته بوضوح قائلا

    " لن أضيع الوقت في تلك الترهات ورجالي هناك في خط

    المواجهة , ومن أجل ماذا ؟ مؤتمر سخيف لن نخرج

    منه بشيء "

    قال بشبه همس " كما تريد سيدي "

    ليغادر بخطواته الواثقة التي لم يعودوا يسمعوا منها سوا أنين

    الأغصان اليابسة تحت وطئتها وظلين يتبعانه حتى اختفى فلم يقتنع

    يوما بأن زعيم القبيلة لا يدخل في النزاعات والموت ورآها مجرد ستار

    يختبئ خلفه الجبناء الذين يخافون على حياتهم قبل سلطتهم , فك العمامة

    الزرقاء القاتمة التي كانت تحتضن عنقه ولفها على رأسه ليكمم بها فمه

    وأنفه وفكيه ولم يبقى من وجهه سوا عينيه السوداء الواسعة بنظرتها

    الصقرية الحادة ليكون في الخط الأمامي يعطي الأوامر ويوجّه الرجال

    فلم يكن حياته إلا هكذا إن لم يكن في قلب الحدث لن يرتاح , دس

    يديه في جيوب معطفه الطويل بعدما تحول للقائد المجهول وتابع

    سيره حتى السيارة التي تنتظرهم في ذات المكان لتنقلهم للمنطقة

    التي بدأت تشهد تناوشا ومناورات ليلية خفيفة فيبدوا أن الأمر

    هناك أصبح يحتاج وجوده فعلا







    * * *








    (( وهكذا هي بعض الحقائق .. لا تموت لأنها تُدفن تحت الركام

    التراب وخلف الماضي , وأسوئها وأعظمها تلك التي تُخفى خلف

    تحت الموت خلف الدماء والخوف .. خلف حكاية تحتاج لمجنون

    ليصدقها لكنها حدثت فعلا وظهرت بعض خفاياها وبقي الآخر

    فهل لك أن تتخيل أن تعيش في بلادك وكأنك خارجها و ترى

    الموت في أعين الباكين على موتاهم ؟ فأنت بذلك تعيش الموت

    بأفظع حالاته فكيف إن صرت أنت محورا فيه !!




    (( جنون المطر ))



    رواية قد تكون من الخيال لكنها تحكي وبألم واقع أصبح

    يعيشه البعض في عالمنا ))










    الفصل الأول









    مررتْ أصابعها في عتمة شعر النائمة على فخذها مغمضة

    العينين وهي تنظر لها بصمت مبهم حتى قالت بقلق " عليك

    أن تعلمي شيئا قبل أن تفكري في اقتحام حدود تلك القبائل

    يا غسق "

    لتفتح تلك المستلقية بهدوء جوهرتاها السوداوات ونظرت لها

    بعبوس واجم ، عينان تشبه بحرا أسود شق قارة جليدية لا

    شيء فيها سوا تلك الثلوج مهما علت وانحدرت تضاريسها

    هذا كان الوصف الوحيد الذي استطاعت مخيلة المرأة الخمسينية

    أن تستشفه في غمرة انبهارها الدائم بهذه الحسناء وهي تسبح

    بأناملها في ذاك الحرير فكيف ستصف صورة لعينان سوادهما

    غريب وكارتي ترتسم في بشرة ناصعة البياض وإن تدلى الشعر

    على نحرها وكتفيها معانقا لخاصرتها حِرت في ماذا تركز بين

    ثلاثتهم فبين البياض والسواد حكاية عندما يتجاوزان حدهما

    المعقول ، حورية من حور الجنة هكذا وصفها البعض فسبحان

    الله كيف سيكون شكل حور جنته ولما أصاب الرجال كل هذا

    الغباء كي لا يسعوا فقط للنظر بفضول لشكلهن وركضوا خلف

    نساء الدنيا ، كل تلك الأفكار كانت تجول في ذهن من كانت

    لسنوات تعرف بعمتها وهي وشخصان فقط كانوا يعلمون حقيقة

    أن هذه الطفرة لا يمكن أن تكون لعائلتهم بل لقبيلتهم أجمعها

    فكيف تكون هذه ابنة لعائلة من قبيلة عرفت بسم قبيلة ( صنوان )

    لحكاية قديمة لجدهم الأول حين لقبه الناس بالصيني لقصر قامته

    وصغر حجم عينيه الذي توارثته الأجيال بعده ابن عن أب وحفيد

    عن جد حتى أصبح لقبا كرهه الجميع وشنوا المعارك الفردية بحق

    كل من ناداهم به في وجوههم , وحين خاف الناس منهم أصبحوا

    ينادونهم بـ ( صنوان ) بدلا من صيني أمامهم واعتادت عليه الألسن

    وألفته القبيلة , فمن يصدق أن صاحبة هذا القوام الممشوق والعينان

    الساحرة أن تكون فردا منهم لكن يبدوا أن الناس كان لها الظاهر فقط

    وصدّقوا أن هذه الحورية ابنة لزعيم القبيلة الذي تزوج بوالدتها وقت

    فرارها حاملا بها في شهورها الأولى وأنجبتها عنده ولحسن والدتها

    الذي لم ينافسها فيه سوا هذه الابنة صدّق الناس أنها ابنته وأنها أول

    تحسن في نسل القبيلة فتأملوا أن يكون له تابعات لكن أملهم مات مع

    مرور السنين فحتى إن تزوجوا بمثيلتها فعرق القبيلة باق للأبد , قد

    يكون رجالها اكتسبوا بعض الطول والهيبة مع مرور الزمن وتعاقب

    الأجيال لكن الملامح بقت تميزهم عن باقي القبائل الكبرى في البلاد

    قبيلة ( هازان ) وقبيلة ( صنوان ) وقبيلة ( الحالك ) وباقي القبائل مجرد

    توابع وفروع لهم ، ابتسمت لها بود وقالت " عمتي لن يثني قراري

    شيء مهما حكيتِ لي "

    أبعدت خصلات شعرها عن جبينها الثلجي الصغير وقالت بضيق

    " غسق أنتي تري بعينك حال البلاد في حرب بين ثلاث محاور فيها

    وبكل جنون تريدي أن تدخلي حدود تلك القبيلة التي لا تعرف سوا

    الدماء , عليك أن تقتنعي أن بلادك تقلصت لثلثها فقط والباقي منها

    لم يعد وطننا ولا أرضنا ولا يحق لنا دخوله "

    جلست مبتعدة عن حجرها نصف جلوس ليتدلى ذاك السواد القاتم

    مغطيا الفراغ ما بين ذراعها وفخذها حاضنا لكتفها من الخلف

    وقالت بضيق مماثل " لن أخاف من كلامك عمتي فلا تتعبي

    نفسك ولا طريقة أخرى لأعلم إلا بزيارة تلك العجوز التي

    تعيش تحت قبيلة الحالك , لا حل أمامي "

    هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار " لن أسمح بهذا يا غسق

    فماذا إن علم والدك وجبران أقسم أن يقتلاني قبلك فجبران كان

    يعد الدقائق لتنجلي حقيقة أنك لست شقيقته فنصدمه بفرارك

    لتعرفي حقيقة لن تؤثر في الواقع شيئا , فإن كانت ذا معنى

    لقالتها والدتك لشقيقي حين جاءته "

    عدلت جلستها ورمت شعرها للخلف وقالت باستياء ناعم " كم مرة

    سأعيد عمتي أن جبران ليس أكثر من شقيق لي , هذه حقيقة عشت

    عليها لتسعة عشر عاما , وإن كان هوا يعلم خلافها منذ صغري فأنا

    لا ولن أستطيع إقناع نفسي أن يكون زوجا لي وأريد أن أعرف

    من هم أهلي , من حقي هذا أم ليس من حقي ؟ "

    تنهدت بيأس من عناد هذه الحسناء الصغيرة ثم مسحت على

    فخذها وقالت " عودي لحجري لأحكي لك حكاية قد تعنيك معرفتها "

    عادت للنوم على فخذها رغم الضيق الذي لازال واضحا على

    ملامحها لتعود تلك الأصابع للغوص في ذاك الشلال الأسود

    الحريري وقالت بهدوء " ألا يكفيك ما أخبرك به والدك شراع

    عن حقيقة عائلة والدتك وأنها من صلب هذه البلاد وتعرفيهم جيدا "

    تنهدت غسق بضيق وقالت " عمتي لا تقولي هذه البلاد منذ متى

    كنا بلادا لوحدنا ؟ لما تريدون تقسيم الدولة وهي لم تقسم بأي

    حدود دولية "

    عقبت على كلامها بحزن " لكنه واقع يا غسق فكيف مع كل هذه

    الحروب والفرقة والدماء تري أن البلاد لازالت واحدة وكل واحد

    ممنوع من تجاوز حدوده والمعارك طاحنة وكل قبيلة تريد أن

    توحدها بفرض سيطرتها على كل شبر من أراضيها "

    أغمضت عيناها مجددا وقالت بحزن " هل هذا ما كنتِ

    تودين قوله ؟ "

    لتزفر تلك نفسا قويا ومررت أصبعها على رموش عين النائمة على

    فخذها في حركة تعشقها كلاهما وقالت مبتسمة " أريد أن أعرف

    فقط زوجك ما سيفعل وأنتي تنامين في حجره هكذا ؟ أنا المرأة لا

    أتحكم في يداي من أن تسافرا في هذه التفاصيل فكيف برجل ! "

    فتحت عيناها سريعا وقالت بضيق يخالطه الحياء " عمتي

    ما هذا الكلام الذي تقولينه ؟ "

    فابتسمت تلك بمشاكسة وقالت " لا شيء أنا خائفة فقط على

    عقل الرجل من الجنون "

    أغمضت عينيها مجددا وقالت " لا تقلقي فلن أتزوج أبدا , ومن

    هذه التي تتزوج في هذا الوضع ليزفوا لها خبر موت

    زوجها في أي وقت "

    ثم ما لبثت أن عادت وفتحتهما مجددا وقالت " احكي الحكاية

    التي تريدين قولها لي فقد أصابني الفضول أخيرا "

    ضحكت عمتها بشفافية وقالت " مادامت غسق وصلت

    لحالة الفضول فقد أنجح في ما أنوي "

    نظرت لها باستغراب لتكمل كلامها قائلة وقد غابت بنظرها

    للبعيد وأصابعها لا زالت تعبث بذاك الشعر الحريري " ما

    سأحكيه لك يا غسق عمره قرابة الأربعين عاما حين كان لرجل

    من قبيلة الحالك يدعى شاهين ابنة من زوجة توفي كل طفل تحمل

    به بعدها وتزوج عليها مرتين وكانت الحال ذاتها يموت الجنين

    قبل أن يولد حتى زاره عجوز وقتها يدعى ( قطاط ) لم يكن ذاك

    اسمه لكنه عرف به من كثرة ما كان يدّعي أنه يعلم المخفي والمستور

    ويقرأ الطالع والغيب , والحقيقة أن هؤلاء الدجالين لا شيء لديهم سوا

    بعض الرجال من الجن يتجسسون على السماء ليسمعوا ما تكتبه

    الملائكة في الألواح ويزيدوا عليه من الكذب الكثير , ذهب ذاك الرجل

    للمدعو شاهين وقال له أنه رأى له رؤيا في منامه وأنه لن ينجب أبناء

    إلا من امرأة من قبيلة معينة وأن أحدهم سيكون بست أصابع في يده

    اليسرى وأن ذاك الابن سيحكم ثلث هذه البلاد ومن ستكون له القدرة

    على حكمها كاملة فكبُر الموضوع في رأس الرجل وقال له سأعطيك

    بشارتك حين يولد فزاده من العيار وقال (وعليه أن يحذَر فهزيمته

    وهوا على مشارف نصره تكون من أهلك من دمك ومن أقربهم لك )

    فركبت الهواجس عقل ذاك الرجل وفرحته الغامرة كانت أن يولد له

    ذاك الابن الذي سيحكم القبيلة بل وجميع قبائل البلاد وهوا يتخيله كيف

    سيكون وبدأ يطلب النساء من تلك القبيلة ويتزوجهن ومن تحمل وتظهر

    صور الأشعة أن الابن يده سليمة ينزله فورا ويطلقها لأنه كان يسفرها

    خارج البلاد فقط من أجل أن يكشف على المولود ولأنه كان صاحب

    جاه ومال في تلك القبيلة كانوا يزوجوه دون تردد وهم يعلمون نواياه

    فالخير الذي سيأتيهم منه كثير حتى إن طلقها فكيف إن أصاب الظن

    وحملت بذاك الابن المنتظر , وفي مرة صدفت تلك الكذبة وحملت

    إحداهن بابن له ست أصابع وفي اليد اليسرى أيضا وكان الجميع

    ينتظر ذاك الخبر ليروه بأعينهم فمن يصدق أنّ تكهن قطاط البعيد

    ذاك صدق حقا حتى ظنوا أنه رؤيا بالفعل ولم يكذب فيها "

    قاطعتها غسق بفضول " ولما كان يقتل باقي الأبناء ؟ "

    نظرت لها وقالت مبتسمة " لا تستعجلي فالخير قادم وكثير "

    اكتفت بالصمت لتتابع عمتها حكايتها وهي تنظر لوجهها وتمسح

    بإبهامها على الحاجب المرسوم كالسيف " ولد ذاك الابن أخيرا

    في ليلة ماطرة بل كان أشد مطرا نزل على تلك البلاد ولم تشهده

    من قبل وعجزوا عن إيصال والدته للمستشفى فأحضروا لها القابلة

    لتوليدها ودخلت لها تحت تهديد منه أنه إن أصاب ابنه شيء قطع

    عنقها وقضت أغلب الليل تحاول توليد تلك المرأة التي تعسرت

    ولادتها بشكل لم تعهده تلك العجوز طوال سنوات عملها وذاك

    يصرخ من الخارج أن تشق لها بطنها وتخرجه قبل أن يموت

    فعظم الأمر على تلك العجوز فكيف تقتل بشرا لتخرج آخر ! كيف

    تُجري لها عملية قيصرية بلا أدوات فتفتحها وتتركها تنزف حتى

    تموت ؟؟ وعند اقتراب الفجر كانت المرأة بدأت تلفظ أنفاسها

    الأخيرة مما لم يخفى عن تلك القابلة أنها تحتضر ففعلتها وشقت

    لها رحمها وأخرجت الصغير قبل أن تموت الأم ويتبعها بوقت

    قليل لأنه من سابع المستحيلات أن يصلوا بها للمستشفى في ذاك

    الطقس المخيف , فخرجت تلك الليلة روح من جسد تخرج روحه

    وكأنها خرجت منها روحين معا وماتت المرأة فورا وخرجت تلك

    العجوز بالطفل لوالده الذي استقبله بقبلة لجبينه الناعم الصغير

    الأزرق وقال ( وُلدت يا مطر في ليلة تشبهك ) وسماه ( مطر )

    وعاش يربيه على الجَلد والقوة وهوا يرى فيه حاكما لكل هذه القبائل

    فأركبه الخيل ابن العام وعلمه السلاح ابن الخمس سنين وأجلسه في

    مجالس كبار شيوخ القبيلة وكان يأخذ رأيه أمامهم في كل ما يقال إن

    أخذوا به أو لم يأخذوا والجميع لاحظ حنكة ذاك الفتى وذكائه وسرعة

    بديهته بل أصبحوا يأخذون برأيه وهوا لم يتجاوز الخامسة عشرة

    وكانت له هيبة في أقرانه وكلمته ترتفع عليهم فلم يره أحد يركب

    الدراجات ويلعب بالمزاليج في كثبان الرمال لا يعرف السهر عند

    المقاهي والمطاعم , كان أكبر وأكبر بكثير من عمره بل حتى في

    طفولته كان يضربه والده إن رآه يلعب مع الصبيان ويقول له

    ( أنت لم تخلق لتلعب أنت خلقت لتحكم وتأمر فجهز نفسك

    لذلك واترك عنك حركات الفتيات )

    كان ذاك رد والده إن لعب مع أحد الصبيان في سِنّه فكيف سيكون

    الوضع إن رآه مع فتاة ! لذلك كان احتكاكه بهن من سابع المستحيلات

    رباه جَلدا قويا وزاده ذكائه وحنكته الفطرية ليصنع منه رجلا لم

    ترى القبيلة مثيلا له , وفات ذاك العجوز أنه هوا سبب ما صار

    فيه ابنه وليس ترهات ذاك الخرِف قطاط "

    توقفت عن الكلام فجأة وابتسمت برقة وهي تسافر بإبهامها

    للخد الناعم وقالت " لا تقولي أن فضولك أصبح يقودك لرؤيته "

    هزت غسق رأسها نفيا من فورها وقالت " كيف أرى رجلا لم

    يعرف الفتيات ولا في صغره ! مؤكد سيقطع عنقي فقط لأني

    قابلت وجهه "

    ضحكت بخفوت ولم تعلق لتسهب غسق بعفوية

    " وهل هوا متزوج ؟؟ فستكون زوجته تستحق الدعاء

    لها بالرحمة "

    عادت العمة للضحك مجددا وقالت " لا , وهل تري شخصا

    مثله لم يعرف النساء ولا في صغره سيفكر في الزواج ؟ أو

    قد يكون مثلك يرى أنه لن يربط نفسه بامرأة وهوا على

    مشارف الموت "

    حركت غسق شفتيها الرقيقتين بتلقائية ثم همست

    " رجل بقلب صخرة "

    فابتسمت عمتها وقالت " وكم من صخر أذابه عشق امرأة "

    لم تفهم غسق ما صبت له عمتها التي أكثر ما تخشى على هذه

    الفتية هوا ذاك الرجل فإن أصبحت في قبضة رجاله أصبحت

    في قبضته وإن أصبحت في قبضته وقع ما تخشاه حقا أكثر من

    موتها على يديهم , قالت غسق ويدها تحضن يد عمتها التي

    تلامس صفحة وجهها الغض " لم تخبريني حتى الآن لما

    قتل ذاك الرجل جميع أبنائه "

    تنهدت وقالت بحزن " بل لم يكن بطشه لهم فقط لأنه تخلص

    من جميع الرجال في عائلته وبطرق مموهة "

    جلست غسق فزعة وقالت بصدمة " قتل أهله !! "

    هزت رأسها بنعم وقالت " تصوري وكله خوفا على ذاك الابن

    من باقي كلام العجوز من أن هزيمته على أعتاب نصره

    تكون من شخص من دم والده سيولد بعد رؤاه المزعومة "

    هزت رأسها بصدمة غير مصدقة كل ما سمعت فكيف يصل

    به ذلك لأن يقتل أشقائه وكل من يقرب له من أجل كلام لا

    يعرف صحته ! لكن من يلوم مجنونا مثله حدث معه نصف

    ما قال له ذاك العجوز فبالتأكيد سيفكر أن النصف الآخر

    سيحدث , قالت بحيرة " هذا يعني أنه لم يبقى لابنه أحد "

    هزت رأسها بنعم وقالت " شقيقته من زوجة والده الأولى

    فقط لأنها وُلدت قبله وهوا خشي حتى أن يولد لأشقائه ابن

    يهزمه ولأنه كان الأكبر تخلص من شقيقه الذي عصاه قبل

    أن يتزوج والآخر لم يتزوج حتى الآن ولا شقيقته أيضا

    التي من حبها لابن شقيقها تخشى أن تنجب ابنا يكسره

    ويقتله وضحت بأن يكون لها زوج وأطفال من أجله "

    جالت غسق بعينيها السوداء الواسعة الطويلة في ملامح

    عمتها بنظرة ملئها حيرة ثم رفعت شعرها خلف أذنها وقالت

    " كيف هذا !! كيف تصدّق هي أيضا ما قال ذاك الدجال ؟ "

    تنهدت العمة وأردفت " لم يعد يستطيع أحد التكهن بشيء

    وهم يروا أن الابن بالست أصابع ولد فعلا وحكم القبيلة

    بأكملها وكل مجاوراتها وفي أراضيها فيبدوا أنه صَدق

    وكانت رؤية وليس تكهنا "

    زحفت مقتربة منها أكثر وقالت بفضول " وهذه قصة

    حقيقية أم من الخيال وفي أي جيل من قبيلتهم "

    ابتسمت على جملة صغيرتها التي ربتها في حضنها وها

    قد فاتها ذكائها الفطري أن تعرف من تقصد وقالت

    " بل الآن في هذه البلاد "

    لتشهق غسق بصدمة وقالت " هنا !! هل هوا .... "

    ثم رفعت شعرها ولفته بعشوائية وغرست فيه مشبكا فضيا

    وقالت بصدمة " لا تقولي أنه زعيم قبيلة الحالك ؟ "

    هزت رأسها بنعم دون كلام فتابعت غسق بحماس " ظننته

    عجوزا فلم أره يوما ولا تحدث عنه أحد سوا بابتعدوا عن حدوده

    حتى بعدما دارت الحروب بيننا وبينهم لازال الجميع يخاف

    الهزيمة على يديه ولم يكن أحد يذكر اسمه وجميعهم ينادونه

    بزعيم قبيلة الحالك أو ابن شاهين زعيم منطقة الجنوب "

    ثم أمسكت يد عمتها وقالت برجاء يقارب للطفولة

    " صفيه لي عمتي كيف يكون ؟ "

    لتشد يدها منها وقالت بحدة " غسق ما هذا الكلام ؟؟ أعرفك

    لا يحرك فضولك إلا شيء تمكن من عقلك فلما تريدي معرفته ؟ "

    تأففت برقة وقالت " أنتي السبب حكيتِ لي حكاية أقرب للخيال

    منها للواقع عن رجل لم أرى مثيلا له فكيف لا يجتاحني الفضول "

    نهرتها مجددا قائلة " لا تنسي أن العشرات من رجال قبيلتنا ماتوا

    على يد رجاله وأنه يريد انتزاع الأرض منا "

    قالت بتذمر " ونحن لسنا بأقل منه قتلنا رجاله ونريد

    انتزاع أرضه منه "

    قالت العمة بصدمة " غسق ما هذا الذي تقوليه ؟ "

    فعقبت بحزن وقد هدأ حماسها " متى سينتهي هذا الحال عمتي ؟

    هل حقا اعتدنا أن يموت الناس وأن نعيش في سكون لليلة

    لتعقبها حرب لليالي ؟؟ "

    وكان الجواب منها أن هزت رأسها بيأس وقالت " ومن سينسى

    الدماء يا غسق ؟ كلٌ أصبح يحمل الحقد في قلبه ولن تتصافى

    النفوس إلا بأن يحكم أحدهم بالقوة بعدما يدمر ثلثي البلاد الباقيين "

    غزى الحزن ملامحها وعلقت بعبوس " وما بِنا هكذا ! خرج الاحتلال

    من بلادنا ليتركنا نذبح بعضنا البعض ولسنوات ونعاني ويلات

    الحرب الأهلية , متى سنتحرر من أنفسنا متى ؟ "

    مسحت عمتها على شعرها بحنان وقالت " والآن عليك محو فكرة

    الذهاب إلى هناك من رأسك لأن الأرض أرضه وإن أمسكك رجاله

    سيسوقونك له , ولك أن تتصوري كيف أن رجل يمسك رجاله بامرأة

    يسلموها له دون أن يلمسوها وهم رجال كيف ستكون سطوته وقوته

    وسيطرته عليهم حد أن يهابه المحاربين من الرجال وهوا ليس معهم "

    برقت عينيها السوداء وقالت بحيرة " يا الله كيف يكون هذا

    الرجل المخيف ! "

    فاشتعلت النار في فخذها التي قرصتها عمتها ونهرتها قائلة

    " غسق ماذا قلنا "

    عدلت جلستها تفرك فخذها بتألم وقالت بتذمر " عمتي هذا

    مجرد كلام فلن أراه ولن يمسكني رجاله ولن أذهب

    اطمئني فقد أرعبتني منه بجدارة "

    لتبتسم قائلة بحب " جيد المعلومة وصلتك إذا وأتمنى أن

    لا تكون مجرد تصريفه لي لأسكت "

    هزت غسق رأسها نفيا وهي موقنة من أن ما فيه لن يغيره شيء

    فإصرارها لمعرفة والدها وعائلته وابنة من تكون وصل لأبعد

    نقطة في عقلها لأنها كرهت حديث عائلتها منذ أن علم المقربون

    بقصتها وأنها ليست ابنة هذه العائلة , وما خفف كلامهم هوا

    معرفتهم بعائلة والدتها العريقة وبقي نسب الأب لغزا تتداوله

    الألسن وفي كل حين يرموها على شخص مما جعل إصرارها

    على معرفته يكبر يوما بعد يوم لتخطئ عمتها الخطأ الأعظم

    وتذكر لها اسم من كانت ولادتها على يدها ووحدها من ستكون

    تعلم به لأنه كان من عاداتهم أن تخبر المرأة القابلة وقت توليدها

    عن اسم أب ابنها وتحفظه تلك حتى الموت ولا تتفوه به إلا في

    الضرورة القصوى ولو كان فيه موتها , ولأن تلك العجوز تسكن

    أراضي الحالك فالوصول لها أشبه بالمستحيل والمخاطرة كبيرة .

    انفتح حينها باب الغرفة لتنظرا كليهما معا للداخل دون إذن مسبق

    وكان من ابتسمت له العمة بحب وقفزت غسق ناحيته ووقفت على

    رؤوس أصابعها حتى قبلت رأسه قائة " صباح الخير أبي "

    ،... يتبع ...،
    جنون المطر -للكاتبة:برد المشاعر
     
    جاري تحميل الصفحة...
    أعجب بهذه المشاركة إيسّـام.
  2. عوق المزايين

    عوق المزايين .. عضو مميز ..

    إنضم إلينا في:
    ‏24 سبتمبر 2018
    المشاركات:
    1,004
    الإعجابات المتلقاة:
    571
    نقاط الجائزة:
    300
    الجنس:
    أنثى
    الإقامة:
    المملكة العربية السعودية❤️
    مسح على خدها بحنان وقال " صباح الخير , ما يوقظ

    ابنتي الحبيبة قبل الفجر بساعة "

    نظرت للخلف وقالت بابتسامة " عمتي حكت لي حكاية

    أخافتني ولم أنم بعدها "

    ضحك كثيرا وقال " خذي حذرك من حكايات عمتك

    فمخيلتها واسعة جدا "

    فنظرت لعمتها بطرف عينها بخبث وقالت بنبرة مقصودة

    " هكذا إذا ؟ هي تعبث بخيالها كثيرا "

    لتقف تلك تعدل لباس الصلاة على صدرها وقالت ببرود

    " لا تضحكي على نفسك فكل ما قلته حقيقة "

    ثم نظرت لشقيقها وقالت بقلق " أراك باللباس الرسمي !!

    هل ستخرج من البلاد ؟ "

    هز رأسه بنعم وقال " مؤتمر صغير وسأعود اليوم "

    تنهدت بأسى وقالت " تعبنا من هذه الاجتماعات التي

    لا نخرج منها بشيء "

    غطى السكون الواجم على ملامحه وقال بشبه هدوء

    " على الأقل نتبادل الأسرى حتى يأتي الله بفرجه

    على الجميع "

    قالت من فورها وبضيق " هل تظن زعيم قبيلة الحالك سيقبل ؟

    ففي المرة السابقة خرج بأسيرين مقابل كل أسير "

    تحدثت حينها الواقفة تتنقل بنظرها بينهما ولا تشارك في

    الحديث بشيء كعادتها وقالت بعفوية " وكيف خدعكم هكذا ؟ "

    أجاب شراع بجمود " لا يحظر اجتماعا إلا وخرج منه بما

    يرضيه فسيطرته كما نعرفها تتحكم في العقول , وما يعزينا

    أنه لن يحظر اليوم فقد نكسب شيئا من غيابه "

    قالت غسق باندفاع " ولما لن يحضر ؟ "

    لينهرها الصوت الحازم من خلفها " غسق "

    فلاذت بالصمت ونظرت للأرض قائلة بهدوء " ترجع لنا

    سالما يا أبي واعتني بنفسك جيدا "

    وكان الرد منه قبلة صغيرة لجبينها تحمل كل معاني المودة ثم

    قال بدفء " جبران سيوصلك للمدرسة اليوم "

    حاولت إخفاء ضيقها خلف النظرة الحنونة التي تغمره بها وحده

    وقالت " لن أذهب وكرهتها أيضا , لما أدرس أنا وغيري

    الكثيرات بلا دراسة ؟؟ أريد أن أكون كغيري هنا "

    تنهد وقال " غسق كم مرة سنتحدث في هذا فلستِ وحدك من

    تدرس , بنات خالاتك وأخوالك يخرجون أيضا للدراسة حتى

    بنات شقيقي يكملن تعليمهن , هل ستبقي وحدك متأخرة عن

    الجميع ؟ يكفي ما ضاع منك بسبب هذه البلاد التي لن

    تنتهي حروبها "

    تنهدت باستسلام وقالت " حسنا لكن اليوم لن أذهب

    ستأخذني أنت غدا "

    لتُظلم الغرفة فجأة وتدخل في سواد قاتم وتحركت العمة لكشاف

    النور في الجدار وشغلته ليعطي المكان نورا أصفرا خفيفا ونظرت

    غسق من حولها وقالت " قطعوا الكهرباء من الآن يعني لن

    ترجع حتى منتصف النهار "

    فخرج شراع قائلا " أفضل من انقطاعها في الليل , اذهبي

    لمدرستك يا غسق إن كان رضاي عنك يعنيك "

    ثم أغلق الباب خلفه لتزفر بضيق فهوا يعلم من أين يأتيها

    ويحاصرها , التفتت لعمتها وقالت " اذهبي معنا أنتي "

    قالت وهي منشغلة بتثبيت الضوء " وهل سيأكلك مثلا ؟

    جبران كان يوصلك أغلب أيام العام المضي "

    تأففت بصمت ثم قالت " ذاك حين كان شقيقي ولا أعلم

    أما الآن الأمر اختلف والرحلة طويلة "

    التفتت لها بصدمة وقالت " هل يضايقك بشيء ؟ "

    لتنتفض بجزع وقالت مستنكرة " حاشا لله عمتي فلم يكن يتجنبني

    أحد من أخوتي مثله , حتى عينيه لا يرفعهما بي إلا للضرورة

    لكنه لا يجوز فهذا سفر لثمانين كيلو مترا بالسيارة , لا أعرف

    كيف كنتم توافقون عليه "

    تنهدت وقالت " للضرورة أحكام وحين تتزوجا لن

    يصبح سفرا وخلوة "

    لوت غسق شفتيها بعدم رضا بما أن عمتها لن تلحظ ذلك في ضوء

    الكشاف الخفيف , فقد كرهت مناقشتها في هذا الأمر وتعلم أنها لن

    تخرج منه بنتيجة ولن تخشى شيئا مادام والدها حيا فهوا لا يرفض

    لها طلبا وحين تبرر له اعتراضها على ابنه لن يجبرها عليه

    فكل ما تفكر فيه الآن أصلها ونسبها فقط لا شيء غيره







    *

    *

    *

    اقتباس

    {[ اللهم لكـ الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهكـ وعظيم سلطانكـ ]} 4
    لامــارا
    aforums.graaam.com_images_icons_icon1. رد: جنون المطر / للكاتبة برد المشاعر

    في تلك المدينة التي لم يعد يسكنها سوا أشباح خفافيش الليل المتراقصة

    على أنغام صوت الهواء وهوا يصفر في مبانيها المهجورة المظلمة نزلوا

    ما أن اجتمعت سياراتهم عند الخط الترابي المشهور بسم ( خط حفار )

    لكثرة ما كان يستخدم هذا الطريق لنقل مواد البناء التي يتم استخرجها

    بحفر الجبال ، المكان الذي لم يعد موجودا فيه سوا المنشئات الخالية

    وآلات الحفر الضخمة المعطلة فلم يبقى من حفار سوا صور ثابتة

    ساكنة ميتة مخبأ للأفاعي والثعالب , وهذا ما تخلفه الحروب مناطق

    مهجورة لأنها كانت في يوم قريب جدا وإن في ذاكرة أهلها فقط

    نقطة للهجوم أو الدفاع وقد تعود كما كانت في أي وقت فلا يفصلها

    عن خط الحرب سوا منطقة واحدة فقط تشبهها في كل شيء .

    بعد رحلة دامت لساعات وصل الرجال الستة بسياراتهم المفتوحة

    المخصصة بنقل الجنود , قديمة الطراز لكن وحدها التي تفي بهذا

    الغرض هنا ، بلاد قُسمت لثلاث أجزاء شرق وغرب وجنوب

    فالاحتلال لم يخرج منها قبل أكثر من خمسين عاما إلا وهوا واثق

    من أنه خلّف بعده شبه بلاد , فرقة ودماء وثأر متأصل , فقد عُرف

    جنوبها بالتمرد وحارب الاستعمار بكل استماتة وخسر الآلاف من

    رجال قبائله ولم ينحني , حتى أن قائد قوات جيش ذاك الاستعمار

    اعترف وقت خروجهم أن الجنوب كان مصدر رعب لرجالهم

    وأنهم خسروا في حروبهم معه الكثير ، أما غربها فكان مقرهم

    الأساسي انتهك بالغصب فكان مقرا لمساكنهم ومنشئاتهم العامة

    ومرافقهم الصحية , أي كان نقطة استقرارهم الأساسية لأنه

    يربطهم بالبحر وأما شرقها فعرف هنا ببؤرة الشر فهوا أرض

    الخونة من قبائل البلاد درجة أن جميع الثكنات العسكرية لؤلئك

    الجنود كانت فيه وبعض أبناء القبائل كانوا يعملون جواسيس لهم

    بين قبائل بلادهم الأخرى , ومن هنا لعب ذاك المستعمر لعبته

    وأصبح يسلم بعض المناطق لهؤلاء القبائل ويعيد تقسيم البلاد

    كيف شاء ونشب الحرب بين شرقها وغربها وجنوبها وبث

    الفرقة والأحقاد التي امتدت لسنوات فبعد خروجه طالبت قبائل

    الجنوب بحكم البلاد واسترجاع أراضيه لقبائلها وتعويض أهل

    ضحايا الحرب وجاء الرفض من الثلثين الآخرين , غرب البلاد

    أرادوها انتخابية ومجالس وبلديات وأن لا يسلبوه من مرافقه

    شيئا وهوا النقطة المعمرة الوحيدة في البلاد فالجنوب شبه مدمر

    بالكامل والشرق أشبه ما يكون بثكنة عسكرية , وآخر ما اقترحوه

    أن تقسم البلاد لثلاث ولايات تحت حاكم واحد ورفضت باقي

    الأطراف أما الشرق فكان من أعلنها حربا وأنه سينتزع المدن

    بالقوة ودخلت البلاد في حرب أهلية دامت لسنوات وسنوات

    ومات الآلاف بالمئات وأصبحت قضية دم وليس أرض فقط

    وقد فشلت جميع الجهود العربية لحل النزاع أما الغرب فكان

    غرضهم الوحيد أن تبقى البلاد في حالة فوضى , أغراض

    سياسية يغطونها بمؤتمرات واجتماعات لا تخرج بأي حلول

    ومن تحت الطاولات يمولون الجماعات الإرهابية لتقوى

    شوكتها في الداخل ويدخلون بحجة محاربتها .

    اقتربت منهم سيارة أخرى ونزل من فيها واقترب أحد تلك

    الخيالات التي تتحرك في سكون هذا الليل ليقف أمام صاحب

    المعطف الطويل والعمامة الزرقاء وقال بجدية " كل ما أمرت

    به جاهز سيدي , خسرنا أربعة رجال خلال الخمس ساعات

    الماضية ، مصدر الرصاص والقذائف اليدوية مباني

    الردم الطينية القديمة "

    تحرك حينها باتجاه السيارة قائلا بحزم " هذه المرة لن نرجع

    لأهالينا إلا والردم والحويصاء أصبحت ضمن حدودنا

    أو نموت دون ذلك "

    لترتسم ابتسامات الرضا على وجوه رجاله فكم انتظروا هذا

    القرار منه , القرار الذي أجّلته المحاولات الدولية الفاشلة لجبر

    ما لن تجبره إلا القوة ، وبعد حوالي خمسون كيلو مترا كانوا

    في منطقة السد لينزل القائد الملثم المجهول وخلفه أقرب رجاله

    القائد الذي وصوله هنا وفي هذا الوقت له معنى واحد فقط

    وهوا أن وقت التحرك قد حان وسيتحول الجميع من وضع

    الدفاع للهجوم فهذا القائد أوامره سارية على جميع قادتهم

    ولا أحد يحق له أن يسأل من يكون ، ومن هناك طلعت

    شمس الصباح لتتخلل تلك النافذة المكسورة وتتسرب أشعتها

    على الخارطة الورقية التي تتوسط الطاولة الخشبية الكبيرة

    التي ترتكز عليها يدان بقفزات سوداء وحوله القادة من رجاله

    بعضهم يحار في هذا الملثم صاحب النظرة الصقرية الحادة

    والشخصية القيادية الواثقة والبعض لا يستغربه أبدا لأنهم

    يعرفون من يكون وأنه الرجل الذي يضن جميع من هنا أنه

    نائم الآن في منزله ينتظر أن تأتيه الأخبار ، حرك أصبعه

    على خط حدود مناطقهم ونظر لهم وقال بثبات " هنا نقطة

    الانطلاق , هم مستعدون لنا بالتأكيد وقد وضّحت لكم نقاط

    الهجوم والتراجع والأهم من كل ذلك نقاط الالتفاف فتلك

    الثغرة نقطة ضعفهم الوحيدة , سنكون على اتصال وأنا

    سأكون في الخط الأمامي وإن مت عثمان حداد

    سيكون مكاني مفهوم "

    أشاروا له بالطاعة التامة فعدل وقفته وقال بحزم

    " الإمدادات ستصل تباعا ولا تَوقف لنا حتى نصل لحدودنا

    الجديدة , التراجع إن حدث سيكون بالتحرك غربا حتى

    منطقة غويطاء ونرجع هنا , وهذا في حال فشلنا طبعا "

    وتحرك الرجال مع بزوغ الفجر لتدخل البلاد نقطة محورية

    جديدة بين شرقها وجنوبها وهي انتزاع الأراضي بالقوة بعدما

    فشلت آخر محاولات التهدئة الخارجية لأن الشرق بدأ بخرقها





    *

    *

    *
    وبعد ساعات ذلك الفجر الجديد وفي مكان آخر بعيد وأبعد ما

    يكون عن تلك الحروب الدائرة وعن تلك البلاد الممزقة كان

    اجتماع لرجال ببدل رسمية وربطات عنق أفكارهم لا تشبه

    لباسهم أبدا , أناس اجتمعوا في مبنى زُخرفت أعمدته الضخمة

    بالفضة والنقوش الذهبية العريضة , طاولة اجتماعات طويلة

    أكواب كريستالية موزعة ورجال الفصائل المتنازعة من تلك

    البلاد في الصفقة الثالثة لتبادل الأسرى بينهم .

    مال جهته قليلا وهمس " كما أخبرونا حضر عمه وبعض

    رجال قبيلتهم وهوا لم يأتي "

    بادله شراع الهمس بجدية وهوا يحرك قلما على الطاولة

    أمامه " إن لم نخرج من هنا ونسمع أخبار تخصه لا أكون

    شراع صنوان فغيابه عن هذه الصفقات التي يسترجع فيها

    رجاله سيكون لغرض أهم منها فلا تنسى أنه في اجتماعنا
    الثاني هنا أخذ عشرة رجال مقابل واحد لأنه ابن عمك

    وقمنا بتعويض عشر عائلات أخرى بدية عن أبنائهم فلن

    يترك جولة يعلم أنه رابح فيها إلا لسبب أقوى منه "

    جال ابنه بنظره بين الحضور وهمس له مجددا " زعيم

    قبيلة هازان غادر الاجتماع سريعا يبدوا توقعك كان

    في محله واستقبل هدية من ابن شاهين "

    لم يخفي شراع ارتجاف يده ووقوع القلم منها لوقع همس

    ابنه على أذنه فأن يتحرك ابن شاهين بغثة شيء لا يُطمئن

    بالنسبة له ولكن ما يطمئنه أن ذاك الزعيم لن يخاطر بالتحرك

    وقت اجتماع عقدته دول صديقة تحاول جاهدة إيجاد حلول لتلك

    النزاعات فسيضع نفسه في موقف حرج أمام المساعي الدولية

    عاد لإمساك القلم بذهن شارد يتردد صداه ككلمات في رأسه

    المشوش ( لن يفعلها أبدا إلا إن جُن مطر حقا وضرب جميع

    مساعيهم عرض الحائط وهم يسعون لتهدئة ولو جزئية )





    *

    *

    *







    بعد رفض عمتها القاطع للذهاب معها غادرت مع جبران لمدينة

    النور من أجل المدرسة كي لا يغضب والدها فيما بعد , ولأنهم

    اليوم درسوا شبه نصف الحصص فقط غادرت وقت الفسحة لأن

    جبران لن يغادر وكان سينتظرها , خرجت وركبت السيارة

    وعادا مغادرين من هناك في صمت تام كرحلة مجيئهما إلى

    هنا فجبران كان طبعه معها دائما قلة الكلام وهوا يعلم أنها

    ليست شقيقته وتجهلها هي والآن بعدما علم الجميع زاد صمته

    حتى تحول لصمت أموات فلا يحدثها إلا للضرورة القصوى

    كان يبني الحواجز بينهما لأنه على علم بالحقيقة ولأن مشاعره

    نحوها تجاوزت الأخوة بكثير فأتقى لنفسه وأبرئ لها أن يبقى

    بعيدا عنها , بعيدا عن امرأة حتى صوتها الناعم يفتنه لأقصى

    النخاع فكيف برؤية حسنها كل يوم وفي كل حالاتها حتى وهي

    مستيقظة من النوم , بعد مسافة مد يده لمسجل السيارة وشغل

    المذياع ليشغل نفسه حتى عن سماع أنفاسها , بحث في تردداته

    حتى ثبت على قناة إخبارية محلية وقال المذيع من فوره

    " ... ومؤتمر الإمارة ألغي بسبب خبر هجوم قبيلة الحالك

    على مدينة الردم والمعارك لازالت في أوجها "

    وضعت غسق يدها على صدري ونظرت لجبران

    وقالت بصدمة " تقاتلوا !! "

    قال ونظره على الطريق " منذ الفجر واستولوا على

    الردم , والحويصاء تبدوا في الطريق "

    غصت العبرة في حلقها ونزلت دمعتها رغما عنها فمسحتها

    سريعا لكن الذي كان يقود لا يفوته شيئا من تحركاتها فقال

    بصوته الجهوري الهادئ " آن لك أن تعتادي يا غسق

    فلسنا حديثي سنة بالحروب "

    تجددت العبرة التي تحاول بلعها وأناملها تقبض بقوة على

    الحقيبة في حجرها وقالت بأسى " ومتى سينتهي هذا

    متى ؟؟ بل أرى دورنا سيكون القادم "

    قال ببرود ممزوج ببعض بالجدية " هم جلبوه لأنفسهم واخترقوا

    التهدئة الجزئية من أجل الرهائن مع زعيم قبيلة الحالك وجاءهم

    رده القاطع فصمته اليومين الماضيين لم يكن عبثا وكما عرفه

    الجميع يضرب مباشرة وبلا حِيل "

    كانت الملايين من الأسئلة تدور في ذهنها لكنها لن توجهها

    لجبران فقد اعتادوا أنها تسمع كل شيء ولا تتدخل إلا إن

    تحرك فضولها بشكل قاتل وهذه النقطة لن تفوته أبدا , ثم هي

    تحترم أنه لا يريد الخوض في الكلام معها وتراه أفضل لهما

    مد يده وأغلقه مجددا فسماع أنفاسها بات لديه أرحم من بكائها

    وصوتها الحزين , ليغلق على أفكاره بزفرة قوية علّه يبرد بها

    حر جوفه ( متى ستقرر يا أبي وترحمني من الانتظار متى ؟؟ )






    *

    *

    *








    وعلى الأصعدة الأخرى كانت شرق البلاد في حالة فوضى

    وخبر استيلاء الحالك على الردم ودخوله لتخوم الحويصاء قلب

    الدنيا رأسا على عقب خصوصا أنه لا أحد يعلم عند ماذا

    سيتوقف وأين قرر أنه ستكون حدوده الجديدة لتختلط معمعة

    الناس بسيارات الجنود والعتاد التي بدأت تملأ الطرقات ووجهتها

    أقصى الشرق جهة الجنوب لتعزيز المقاومة هناك والدفاع عما

    تبقى واسترجاع ما يمكن إرجاعه , بينما دخل غرب البلاد في

    حالة من الترقب الشديد فلا أحد يعلم ما يفكر فيه ذاك الزعيم ومن

    دوره سيكون القادم ؟ فبالرغم من أن قوتهم تكاد تكون متساوية

    إلا أن الرهبة من خطط والتفاتات رجاله وجنوده أمر أصبح

    يشكل هاجسا للجميع , فالغلبة تكون للأدهى قبل الأكثر مهما

    قيل أن الكثرة تغلب الشجاعة فإنها لا تغلب العقل والتخطيط

    فوضى كبيرة عمت ذاك الاجتماع حال انتشار الخبر فرد قبيلة

    الحالك على الخرق الذي أقدمت عليه الهازان كان غير متوقع

    وهز ذاك الاجتماع , فكيف يكون عمه وأكابر قبيلته هناك من

    أجل تبادل الأسرى والتحاور حول التهدئة الجديدة وهوا يدك

    حصون الشرق وينتزع مدنها وكأن ما يحدث في ذاك

    الاجتماع أبعد ما يكون قد يعنيه أو فكر فيه .

    أما في جبهة القتال فكان وقوع الردم يسيرا عليهم لأنها جاءت

    على حين غفلة بخطة حربية متقنة أما الحويصاء فيعلمون أنها

    لن ترضخ لهم بسهولة فقد شد أولئك الرحال لها وعدوا العدة

    والعتاد لدعم الجنود هناك , أما في الخط الأمامي على تخوم

    الحويصاء كانت صرخة قائدهم الوحيدة " إن لم نأخذ

    الحويصاء لم نجني شيئا "

    وهوا أعلم بغيره أن الردم لن تكون ذرعا حاميا لجنوده فيما

    بعد فهي أرض مكشوفة سيتعرضون فيها للهجمات المتسلسلة

    التي ستخسرهم الكثير أما الحويصاء فستكون منطقة دفاعية

    أكثر لمتاخمتها لمرتفع شهير لديهم , فإما الحويصاء أو العودة

    للسد من جديد ، وبالفعل كانت الحرب فيها شرسة مستميتة

    فهي أصبحت نقطة محورية لكليهما إن أخذتها الحالك تمركزت

    فيها وسيصعب إخراجها وإن صمدت فيها هازان أعادت الردم

    بسهولة ، ومن يوقف شلال الدم حين يبدأ بالجريان ؟ حين يرى

    الشقيق شقيقه عدوا له وكل واحد له الحق في الدفاع عن نفسه

    وأرواح قبيلته , ويصبح لا صوت أعلى من صوت الحرب

    ولا طريق للحياة إلا من خلال الموت .









    نهاية الفصل (١)

     
  3. سماهرالجابري

    سماهرالجابري عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏2 مارس 2017
    المشاركات:
    68
    الإعجابات المتلقاة:
    15
    نقاط الجائزة:
    140
    الجنس:
    أنثى
    الإقامة:
    البيت المسحور

الاعضاء الذين يشاهدون محتوى الموضوع(عضو: 0, زائر: 0)