رواية روز ماري

الموضوع في 'روايات' بواسطة البدورx, بتاريخ ‏26 سبتمبر 2018.

  1. البدورx

    البدورx عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    نقاط الجائزة:
    130
    الجنس:
    أنثى
    •• الجزء الثاني و العشرين ••




    في اليوم التالي .. و في المدرسةِ الداخليةِ عندَ الساعةِ العاشرة ، كانت ( روز ماري ) تسير وحدها في الأروقة .. لم يكن لديها ما تفعله ، و لتقتل الضجر قررت السير و التجوال في المدرسة .

    توقفت أخيراً عند السور المطل على ملعبٍ لكرةِ القدم .. كان مشغولاً بالطلاب ، وقفت تنظر إليهم و هي تضم ذراعيها إلى صدرها .
    في ذاتِ الوقت ، كان ( أرثر ) يسير في ذات الرواق و هو يحمل أوراقاً بين يديه .. فتوقفَ حينما لمحَ ( روز ) ، نظرَ إليها مفكراً للحظات .. ثم حركَ قدميه ليخطو نحوها .. بينما هو كذلك ، رن هاتف ( روز ماري ) .. فتوقف في مكانه ، أما هي فقد أخرجت هاتفها و ردت على الإتصال قائلة

    - ألو ..

    كان ( آرثر ) من حيث يقف ، يستطيع سماع ( روز ماري ) بوضوح .. و قد ألقى بسمعه عندها لأن الفضول قد أثاره لمعرفةِ المتصل .. فعقدَ حاجبيهِ بانزعاجٍ و ضيقٍ حينما سمعَ ( روز ) تنطقُ باسم ( بيتر ) قائلة

    - أهلاً ( بيتر ) .

    ازدادت يده قبضةً على الورقِ حتى عُفِسَت ، و بدأ يحترق غضباً في داخله

    - حتى الآن يا ( روز ) .. ما تزالين في علاقتكِ مع ( بيتر ) ، عدتِ إليه بمجردِ أن خلَّصتكِ مني !

    و استدار بغيظٍ شديدٍ ليعود أدراجه .. لكن سرعان ما توقفَ حينما تناهى إلى مسامعهِ صوت ( روز ماري ) القائل بانفعال

    - لا تتصل بي ثانيةً يا ( بيتر ) ، و لا تحاول إصلاحَ ما أفسدته سابقاً !.. فلا رغبةَ لي في العودةِ إليك ..

    تجمدَ ( آرثر ) و قد رنت تلكَ الكلمات في أذنيه حتى أرجفت قلبه ، حبسَ أنفاسه للحظة .. ثم ازدردَ ريقه و استدار لينظرَ إليها دون تصديق .

    أما ( روز ) فاستمرت في الرد على ( بيتر ) بذات النبرةِ الحادة

    - مستعدةٌ لتقديم المساعدةِ إن احتجت يا ( بيتر ) ، عدى ذلك .. فأنا لستُ متفرغةً إليك ، أتمنى أن تعي ذلكَ جيداً .. إلى اللقاء الآن .

    قالت ذلكَ و أغلقت هاتفها متأففة ، ثم أخرجت من صدرها زفرةً طويلة و هي تعود بنظرها حيث كانت تنظر .
    ابتسمَ ( آرثر ) بسعادة ، لا لقد كان مخطئاً !.. ( روز ) لا ترغب بالعودةِ إلى ( بيتر ) !

    غمره السرور و الإرتياح .. و شعرَ بالإنشراح ، أخذَ نفساً عميقاً .. ثم تقدمَ من جديدٍ نحوها و هو منادياً

    - ( روز ) .

    انتفض قلبها ذعراً حينما سمعت صوت ( آرثر ) .. فاستدارت ببطءٍ إليه و هي تنظرهُ بعينينٍ واسعتين .
    توقفَ قبالتها قائلاً و هو يبتسم

    - صباح الخير .

    أجابت بهدوءٍ و ارتباك

    - صباح الخير .
    - كيفَ حالكِ ؟
    - جيدة .

    لاحظَ ( آرثر ) ارتباكها ، فسألها قائلاً باهتمام

    - لا تبدين بخير !.. مابكِ ؟

    ازدرت ريقها و قالت و هي تحاول أن تستجمعَ نفسها

    - أبداً ، فاجأتني فقط .

    ابتسم ( آرثر ) بلطفٍ و قال

    - اعتذر .
    - لا تهتم ، كنتُ سأنصرف ..

    قاطعها قائلاً

    - قبلَ ذلك ، لقد اخترتُ بعض المقطوعاتِ للمسرحية .. ليتكِ تستمعين إليها لتقرري ما يناسب .
    - جيد ، لكن ( جورج ) مشغولٌ الآن .. من الأفضل أن نستمعَ إليها بعدَ الظهر قبل التدريب .. عن إذنكَ الآن .

    و مشت لتعبرَ من جانبه ، لكنه استوقفها قائلاً و هو يمسك بذراعها

    - ( روز ماري ) !

    توقفت و قد راودها الإنزعاج .. فاستدارت إليه و هي تعقد حاجبيها

    - ماذا !؟

    حدقَ في وجهها ، و في عينيها الخضراوتين .. في حاجبيها و جبينها المقطوب ، لم تنظر إليه ( روز ماري ) قبلاً بوجهٍ يحمل هذه التعابير .. لكنها فاتنة ، فاتنة بنظرهِ بكل حالاتها !

    قالت ( روز ) متعجبة من صمتهِ و هي تسحب ذراعها من قبضته

    - ما بك ؟!

    أجابها بهدوء

    - لا تتعاملي معي باعتباري ( آرثر ) خطيبكِ السابق ، بل باعتبار أني ( آرثر ) استاذ الموسيقى .. أي رجلٌ يجمعكِ معه عمل !.. فأنا هنا أكلمكِ بشأنِ العمل يا ( روز ) .

    حدقت في عينيه الزرقاوتين للحظة .. ثم قالت

    - العمل يجمعنا أنا .. و أنت .. و ( جورج ) ، لذلكَ ليبقى حديثُ العملِ حتى يكتمل فريق العمل .

    صمتَ قليلاً و هو يحدق في عينيها .. و قال بصوتٍ هادئٍ عميق

    - لكنها ليست طبيعتكِ ، ( روز ) التي أعرفها تتعامل بارتياحٍ أكثرَ مع الجميع .. أنتِ تتجنبيني !

    صمتت و قد تغيرت تعابير وجهها .. تأثرت قليلاً من قوله .. و قالت بألمٍ و صوتٍ مقهور

    - لأنكَ تجنبتني كثيراً يا ( آرثر ) ، حتى أبعدتني مسافةً طويلة .. أنا أعينني لأجل أن اعتاد تلكَ المسافةِ فقط .

    قالت ذلكَ و استدارت عنه لتبتعد .. و هي تعض شفتها تحاول مقاومةَ الدموع التي تحاول التجمع في عينيها .
    أما هو .. فوقفَ ينظر إليها بحرقةٍ و ألم .. نعم هو السبب ، هو من ابعدها عنه في بادئ الأمر .. هو من تخلّى و انسحب .. لكنه هو من تألم قبلاً !
    هو من أحرقته ( روز ) بصمتها ، بعدمِ تبريرها لإرسالها لـ ( بيتر ) و طلب لقائه .

    أطلقَ نفسه بغضبٍ و قهر .. لا يريد استرجاع ما فاتَ و مضى .. حدثَ ما حدث و لن يجدي التفكير .
    استدار و نظر إلى السماء ، بدأت الغيوم بإهطال مائها قطراتٍ صغيرة .. أغمضَ عينيه و تنفس بعمق .. ثم استدار من جديد ليمضي و ينهي عمله .

    *******

    بعدَ الظهر و قبل بدأ التدريب على المسرحية .. أجتمع الثلاثة في قاعة الموسيقى لسماع المقطوعات لأجل المسرحية ، و قد استمعت ( روز ماري ) للمقطوعات باستحسانٍ شديد .. حيث أنها كانت تتناسب مع المشاهد كثيراً .

    بعد الإنتهاء ، علقت ( روز ) و هي تنظر لـ ( جورج ) قائلة

    - جميعها جميلة و ملائمة كثيراً ، ما رأيكَ ( جورج ) ؟
    - أوافقكِ الرأي ، لكن يجب علينا اختيار المقطوعاتِ الأكثر ملائمةً مع المشاهد .. أعتقد بأننا نحتاج إلى أربعةِ مقطوعاتِ قصيرة ، أيهم تختارين ؟

    فكرت ( روز ) قليلاً .. ثم نظرت لـ ( آرثر ) قبل أن تجيب سائلة

    - هل يتقن تلاميذكَ جميع هذه المقطوعات ؟.. ليتهم يجتمعون مع طلاب المسرح أثناء التدريب ليكون باستطاعتنا الاختيار بشكلٍ أفضل .

    أجاب ( آرثر )

    - لا ، لكني أتقنها ..

    قال ( جورج ) متحمساً

    - إذاً لنعتمد على اختيار العازف ، أعتقد أنكَ أكثر من سيعرف كيفَ يختار الموسيقى المناسبة يا ( آرثر ) .

    ثم نظرَ لـ ( روز ماري ) و قال

    - ما رأيك ؟

    أجابت ( روز ) و هي تهز رأسها بالموافقة

    - سيكون أفضل ..

    و أضافت و هي تنظر لـ ( آرثر )

    - أثق باحساس ( آرثر ) و اختياره في الموسيقى .

    ابتسم ( آرثر ) و قال شاكراً

    - شكراً لثقتكما ، إذاً لنبدأ الآن .

    و انطلق الثلاثة إلى قاعةِ المسرح حيث كان الطلاب ، و بدأ التدريب على المشاهد التي ستعزف لأجلها الموسيقى .. و بدأ ( آرثر ) في اختيار المعزوفات المناسبة ، كان هنالك بيانو بجانب قاعة المسرح .. و قد استعرض عليه ( آرثر ) الموسيقى مع المشاهد ، و قد كانت اختياراته ملائمة جداً و رائعة للمسرحية .

    بعد ساعتين .. انتهى وقت التدريب .
    غادر الطلاب المسرح ، بينما وقفت ( روز ) بجانب ( جورج ) تثني على جهود الطلاب .. و تعبر عن حماسها الشديد توقاً لانتهاء المسرحية و اكتمالها .
    و قد تفاعل معها ( جورج ) في الحديث .. و أقر بأن الموسيقى قد أضافت سحراً أكثرَ و جمالاً أبلغَ للتمثيل .

    كان ( آرثر ) ينظر إليهما من حيث كان جالساً على المقعد قبالة البيانو .. و كم شعرَ بالإنزعاج لأن ( روز ماري ) تهمشه كثيراً .. لقد أثنت عليه منذ قليلٍ بقولها أنها تثق به ، لكنها تعتبره شخصاً غريباً !.. تتحفظ في الحديث معه بينما تتحدث كثيراً مع ( جورج ) و تتبادل معه الضحك .

    نظر إلى مفاتيح البيانو بحزن ، و أخذَ نفساً عميقاً .. و اعتدلَ في جلستهِ و بدأ العزف .

    بمجرد أن بدأ ( آرثر ) العزف ، توقف الإثنان عن الحديث .. و التفتا للعازف ( آرثر ) ، كان ( جورج ) مستمتعاً كثيراً باللحن و جمال العزف .. أما ( روز ) ، فلقد أعادتها هذه المعزوفةِ إلى شهورٍ عديدة مضت .. كانت هذهِ المعزوفة هي المعزوفةِ ذاتها التي عزفها ( آرثر ) لأجلها على الكمنجةِ في المزرعة .

    لحنٌ حزينٌ يثير الشجون ، لكنه كان أعذبَ هذهِ المرة على مافتيح البيانو .
    حدقت ( روز ماري ) بحزنٍ و ألمٍ لـ ( آرثر ) ، و استرجعت ذكرياتاً كثيرة جمعتها به ..
    تلكَ الليلة ، و غيرها الكثير .

    أخرجت من صدرها المحترق زفرةً ساخنة ، و نظرت لـ ( جورج ) قائلة في هدوءٍ شديد

    - سأنصرف الآن .. عن إذنك .

    عقدَ ( جورج ) حاجبيه و هو ينظر في عينيها اللتين لاحت فيهما الدموع .. فاقتربَ منها أكثر َ و سألَ بقلق

    - هل أنتِ بخير ؟.. ماذا أصابكِ ؟

    لاحظت ( روز ) أنه يحدق في عينيها المغرورقتين ، فابتسمت قائلة و هي تمسح على عينيها

    - بخير لكنني ، حساسةٌ جداً مع الموسيقى .. إنها شديدةُ التأثير علي .

    ابتسم ( جورج ) و قال و هو ينظر لـ ( آرثر ) بإعجاب

    - يمتلكُ أصابعَ من ذهب ، جداً يبهرني عزفه !

    نظرت ( روز ماري ) نحو ( آرثر ) .. و قالت بهمس

    - بل يمتلك ما هو أكثر من ذلك !

    ثم مشت و ابتعدت عن ( جورج ) لتغادر القاعةَ بعينينٍ ذارفتين ، و هي تتساءل في خلدها بقهر

    - لما تعزفُ هذا اللحن بالذاتِ يا ( آرثر ) ؟ ، أم أنكَ تتعمد التأثير على قلبي .. تتعمد مساسَ مشاعري !.. دعني أتغلب على قلبي دون عناء ، أتركني في مقاومتكَ دون أن تشن هجوماً على عواطفي التي ترقُّ كثيراً حينما تلتقي عيناكَ بعيناي .. أرجوك .

    أما ( آرثر ) و بعدَ أن انهى المقطوعة .. سمعَ صوت تصفيقٍ من شخصٍ واحد ، نظرَ حيث كان ( جورج ) .. لم تكن ( روز ) تقفُ بجانبه !

    أقتربَ ( جورج ) من ( آرثر ) و هو يصفق ثم قال

    - رائع ، أنتَ أكثر من بارعٍ يا صديقي .. تدهشني حقاً في كل مرةٍ أصغي فيها لعزفك .

    ابتسم ( آرثر ) و قال

    - شكراً ( جورج ) ، و أنتَ لا تكف امتداحي .. في كل مرةٍ تمتدح عزفي و كأنكَ تصغي إليه للمرةِ الأولى .
    - لأنكَ جمالٌ يتجدد ، تبهرني و لا استطيع كبحَ نفسي عن التعبير بإعجابي .

    صمتَ ( آرثر ) للحظة ، ثم قال

    - يبدو أن ( روز ) لم يرق لها عزفي !

    ضحكَ ( جورج ) و قال ممازحاً

    - بل هربت قبلَ أن تقعَ أسيرةَ سحركَ يا ( آرثر ) ، تأثرت كثيراً حتى أدمَعت عينيها .

    ابتسم ( آرثر ) بمضض ، و أنكسَ رأسه بحزن .. حزينٌ لأجلهِ و لأجل ( روز ) ، ليتَ الأمور لم تسر على هذا النحو .. لما عانا من إنكسار قلبيهما ، و لما تألما و تحفظا على إظهار مشاعرهما .. ( روز ) تحبه ، و هو واثقٌ من ذلك كما هو واثقٌ من حبه لها .. لكنه نصبَ الحاجز بينهما بسببِ ما حدث .

    تذكرَ فجأةً محادثتها مع ( بيتر ) صبحَ اليوم .. لما قررت فجأةً إنهاء كل شيءٍ بينها و بينه ؟!

    قطعَ أفكاره صوت ( جورج ) صائحاً

    - ( آرثر ) !.. أينَ شردت !؟

    رفع رأسه من جديد نحو ( جورج ) و قال

    - لا أبداً ، أنا هنا .
    - هيا إذاً لنغادر ، سيحين بعد قليل موعد العشاء .
    - حسناً .. هيا بنا .
     
  2. البدورx

    البدورx عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    نقاط الجائزة:
    130
    الجنس:
    أنثى
    •• الجزء الثالث و العشرين ••





    في اليوم التالي و عندَ الصباح .. كانت ( روز ماري ) فارغةً من العمل ، فقررت المشي في فناء المدرسة في هذا الجو الصباحي البارد .

    لكنها قبل ذلك ، قررت الذهاب عندَ قاعةِ المسرح و رؤيةِ التلاميذ .. فلديها رغبة شديدة للإطلاع على دروس فن التمثيل على المسرح ، ستبحث عن ( جورج ) فلعله يسمح لها أن تحضر درساً في صفه .

    بينما كانت تسير ، عبرت عندَ قاعاتِ الموسيقى .
    فتوقفت تنظر إلى الأبواب .. كانَ إحدى الأبواب مفتوحاً .

    حين حدقت في باب القاعة ، عادت بها ذاكرتها للأمس ، حينما عزفَ ( آرثر ) على البيانو و هيجَ مشاعرها بتلكَ المقطوعةِ العذبة و الحزينة .. فتخيلت ( آرثر ) و هو يقف داخل إحدى هذه القاعاتِ يعطي التلاميذَ دروساً في العزف .. كان جذاباً دائماً حينما يعانق الكمنجةَ و يعزف ، لا شكَ أنه يتمتع بذاتِ الجاذبيةِ و هو يقف و قفةَ المعلم بين تلاميذه .. و ربما تمتعَ بجاذبيةٍ أكثر !

    مشت بهدوءٍ نحو الباب .. و اختلست النظر إلى الداخل ، كانت القاعة خالية من التلاميذ .
    دخلت إلى القاعة ، و وقفت عندَ الباب تنظر إلى اللوح على الحائط .. كان قد كتبَ فيها جزءٌ قصيرٌ من إحدى المقطوعات .

    أقتربت أكثرَ .. و توقفت تتأمل صفوف المقاعد و طاولة المدرب ، فتوقفت عينيها عندَ الكمنجةِ على الطاولة !

    مشت بهدوءٍ عند الطاولة ، و تأملت من قربٍ هذه الآلة الموسيقية ، تشبهُ كثيراً الكمنجة التي يقتنيها ( آرثر ) .

    ابتسمت و مدت يدها إلى الكمنجة تتحسس أوتاره ، ثم نظرت إلى المقطوعةِ المكتوبةِ على اللوح .. فقررت تجربةَ العزف ، كانت آخرَ مرةٍ قد عزفت فيها ( روز ) منذ أيامِ الإعدادية .. لكنها ستجرب العزف على الكمنجةِ لترى مدى قدرتها على العزف اليوم .

    التقطت الكمنجة و أسندتها على كتفها ، و التقطت العصا و هي تضحك في داخلها

    - هل يمسك بها بهذه الطريقة ؟!.. لأحاول .

    و عادت بنظرها للمقطوعة ، و بدأت بالعزف .. و منذ البدايةِ قد أصدرت صوتَ نشازٍ سيء ، استمرت في محاولتها .. و لكنها محاولة أولى فاشلة .

    قالت تخاطب نفسها بانزعاج

    - يا إلهي كم هي صعبة !.. كيفَ تتقن العزفَ عليها بسهولةٍ يا ( آرثر ) ؟!

    جاءها من خلفها صوت ( آرثر ) مجيباً

    - بالكثير من التدريب ، أصبحَ العزف عليها سهلاً يا ( روز ) .

    اتسعت عينيها دهشةً حينما سمعت صوتَ ( آرثر ) ، و تجمدت في مكانها .. حيث تقف و هي تمسك بالكمنجة ، كانت تصغي لخطواتهِ من خلفها تقترب .. بدا قلبها مذعوراً ، فتنفست بعمقٍ محاولةً استجلابَ هدوئها .

    وقفَ ( آرثر ) من خلفها قائلاً

    - تمسكينَ بالآلةِ بطريقةٍ خاطئة .

    أدارت رأسها إليه ، فالتقت عينيها بعينيه .. ثم قالت و هي تنزل يديها الممسكتين بالكمنجة و العصا

    - أعتقد أني سيئة جداً في العزف ، مضى وقتٌ طويلٌ لم أمسك فيه أيَّةَ آلةٍ موسيقية .

    و أبعدت وجهها عنه تنظر إلى الكمنجة في يدها
    و استأنفت

    - كنتُ أتسلى .

    اقتربَ ( آرثر ) من خلفها أكثر و أكثر .. ثم أمسك بيدها التي تمسك بالكمنجة .

    نظرت إليه ( روز ماري ) بعينينٍ واسعتين ، لكنه لم يأبه لنظراتها ، و قال و هو يساعدها على الإمساك بالكمنجةِ بالطريقةِ الصحيحة

    - هكذا تمسكين بالكمنجة ، و هكذا تعزفين بالعصا .

    و امتدت يده الأخرى لتمسكَ بيدها التي تمسك بالعصا و رفعها نحو الكمنجةِ قائلاً

    - الآن ، هكذا حركي العصا على الوتر ..

    ازدادت ( روز ماري ) توتراً و ارتباكاً .. كان ( آرثر ) يقف من خلفها كما لو أنه يحيط بها بذراعيه ، فأفلتت يدها بعصا الكمنجةِ و وقعت أرضاً .

    تفاجأ ( آرثر ) ، و بعد برهةٍ قال و هو يبتعد عن خلفها و يقترب من عصا الكمنجة التي سقطت أمام قدمي ( روز )

    - لم تمسكي بها جيداً ، كدتي أن تتلفيها !

    تراجعت ( روز ) خطوتين للوراء و هي تنزل الكمنجة .. فانحنى ( آرثر ) و التقطَ العصا ، ثم نظر لـ ( روز ماري ) مبتسماً و هو يقول

    - أنتِ عازفة سيئة حقاً .

    لكن ( روز ماري ) لم تبتسم ، بل كانت تشعر بالاختناق الشديد و الإرتباك .. لاحظ ( آرثر ) ذلكَ فقال بقلق

    - ( روز ) !.. مابكِ ؟؟

    تكلمت ( روز ماري ) بهدوءٍ و قد اغرورقت عينيها

    - لا تقترب مني ، لا تكن على مقربةٍ مني كل هذا القرب يا ( آرثر ) .. لا تحاول العبثَ بي فقد سئمتك و كرهتك .

    حدق ( آرثر ) في عينيها بصمت .. فأشاحت ( روز ) بوجهها عنه ، و وضعت الكمنجة على الطاولة حيث كانت .. و مضت مسرعةً لمغادرةِ القاعة .
    اعتلى الحزن تقاسيم ( آرثر ) ، و مشى بهدوءٍ نحو الطاولة .. و نظر إلى الكمنجة خاصته .. و هو يفكر في كلمات ( روز ماري ) .

    (( سئمتكَ و كرهتك )) !

    هل حقاً كذلكَ يا ( روز ) ؟
    هكذا تساءل ( آرثر ) ، ثم التقط الكمنجة بحرقةٍ و ألم .. و أغمض عينيه ، و بدأ العزف .

    ******

    بعد اسبوع ، و عند العصر .. كانت ( روز ماري ) و ( جورج ) عند المسرح برفقةِ المتدربين على المسرحية .. كان الجميع منهمكاً و منشغلاً ، فقد أوشك موعد بدأ العرض .. و الجميع يبذل قصارى جهده .

    بينما هم كذلك ، كانت ( روز ) تضم ذراعيها إلى صدرها و هي تلف نفسها بغطاءٍ متينٍ من شدة البرد .. رغم ذلك لم تكن تشعر بالدفء كثيراً .
    لاحظها ( جورج ) ، فقال متسائلاً

    - هل أنتِ متعبة ؟!.. بإمكانكِ الجلوس و الإرتياح و النظر من هناك !

    نظرت إليه قائلة

    - لستُ متعبة ، لكن البرد شديدٌ هنا .

    ابتسم ( جورج ) قائلاً

    - معكِ حق ، سيكون الشتاء بارداً جداً هذه السنة .. سأذهب لأحضرَ قهوةً ساخنة .

    قالت ( روز ) باستحسان

    - سيكون ذلك جيداً ، شكراً لك .

    غادر حينها ( جورج ) ، فاستكملت ( روز ماري ) وحدها التدريب مع الطلاب .

    بعدَ دقائقَ قليلة ، أقبلَ ( آرثر ) عند قاعة المسرح .. لم يدخل إلى الداخل ، بل ظل واقفاً ينظر من الباب المفتوح للمسرح .. جالت عيناه بحثاً عن ( روز ) ، حتى عثرَ عليها .

    حبسَ أنفاسه للحظةٍ و هو ينظر إليها ، و سرح بعيداً بها .. كان يشعر بالكثير من المتعةِ و هو يشاهدها مع الطلاب ، تذكر تلكَ الأيام التي كان يرافقها فيها للمسرح حينما كانت تعد المسرحيةِ للعرض ، كم كانت متقدةً حماساً و نشاطاً .
    كانت مشرقةً و جميلة .. لكنها اليومَ أجمل ، فهو يكاد لا يستطيع إبعاد عينيهِ عنها .. يتوق إليها كثيراً و للحديث معها ، قد عبثَ به الشوق كثيراً .. و الحرمان منها يقتله ، ما عادت تطيقُ قربه و هو لا يجرؤ على الإقتراب منها و الحديث معها بعد ما حدث في الأسبوع الماضي .

    رغم ذلك ، فقد حلت البسمة على شفتيهِ و هو يراقبها من بعيد .. و يسمع صوتها الذي يعلو بالتوجيهِ و التشجيع .

    لكن سرعان ما انجلت ابتسامتهُ حينما سمعَ صوت ( جورج ) القادم من جانبه

    - مرحباً ( آرثر ) .

    التفت إليه متفاجئاً ، و قال مجيباً

    - أهلاً ( جورج ) ، هذا أنت ؟؟
    - نعم ، مالذي تفعله هنا ؟.. لما لا تدخل إلى الداخل ؟

    سكنت تقاسيم ( آرثر ) حينها ، و صمت .
    ثم التفتَ حيث كان ينظر منذ قليلٍ .. حتى استقرت عينيهِ على ( روز ) .

    نظرَ ( جورج ) حيث كان ينظر ( آرثر ) ، و حينما فهم أن ( آرثر ) كان يسترق النظر لـ ( روز ماري ) ، ابتسم و قال هامساً

    - ماذا ؟!.. أتراكَ وقعتَ بحبِ الآنسة ( روز ماري ) يا ( آرثر ) !؟

    نظرَ ( آرثر ) إلى ( جورج ) بوجهٍ خالٍ من التعابير .. فعقد ( جورج ) حاجبيه و استفهمَ قائلاً

    - يبدو أن المزحة لم ترق لك ، مالخطبُ إذاً أخبرني ؟!

    تنهدَ ( آرثر ) تنهيدةً طويلة و هو ينكس رأسه .. ثم قالَ بصوتٍ حزين

    - كنتُ و ( روز ماري ) .. مخطوبين يوماً .

    اتسعت عينا ( جورج ) دهشةً و قال

    - حقاً ؟!

    هز ( آرثر ) برأسه و الحزن قد لاح على وجهه ، فسأل ( جورج )

    - هل انفصلتما ؟.. منذُ متى ؟!
    - منذُ أكثرِ من شهر .
    - فقط !؟
    - نعم ..
    - لما انفصلتما ؟

    حينما نفدَ سؤال ( جورج ) إلى مسامع ( آرثر ) ، انقبضَ قلبه و اعتصر .. كم كانَ سؤالاً صعباً جداً !

    تسللت الدموع إلى أحداقه و هو ينظر إلى الأرض بقهر .. فقال ( جورج )

    - أعتقدُ أنكَ تعشقها كثيراً ، لعلها هي من تخلت عنك .. أ ليسَ كذلك ؟!

    مسح ( آرثر ) على وجهه بيده ، ثم قال بصعوبة

    - بل أنا من تخلى يا ( جورج ) .

    رفعَ ( جورج ) حاجبيهِ مستغرباً ، و قال مستنكراً

    - إن كنتَ تحبها فلماذا تخليت عنها ؟!

    لزمَ ( آرثر ) الصمتَ مجدداً .. و عاد بنظرهِ إلى ( روز ماري ) و النار تستعر في صدره ، فتبادرت الفكرة في رأس ( جورج ) و قال فوراً في همس

    - أم أنها .. خانتك ؟!

    نظرَ ( آرثر ) بعينينٍ ثاقبتين لـ ( جورج ) ، فارتبكَ ( جورج ) و قال معتذراً

    - آسف ، لم أقصد الإساءةَ للآنسة ( روز ماري ) .. لكن مالذي يمكن أن يكون قد حدثَ حتى تتخلى عمن تحب يا ( آرثر ) ؟!

    عاد الحزن يكسو تقاسيم ( آرثر ) .. و فكر في نفسه ، هو نفسه لا يستطيع تقبلَ أمرَ خيانةِ ( روز ) ، و لكنه رأى بأم عينيهِ رسالتها لـ ( بيتر ) !

    سأل ( آرثر ) ( جورج ) بصوتٍ هاديء

    - ما رأيكَ بـ ( روز ) ؟.. هل من الممكن أن تخون ؟!

    صمت ( جورج ) و هو يحدق في عيني ( آرثر ) الزرقاوتين .. ثم قال بعد تفكير

    - لا أعرف الكثير عن الآنسة ( روز ماري ) .. لكنها فتاةٌ طيبة جداً ، بداخلها الكثير من الخير .. و أنتَ أعلم مني بها .

    عاد ( آرثر ) بنظره لـ ( روز ماري ) ، و قال في هدوءٍ شديد و صوتٍ منخفض

    - أعرفها جيداً .. لا يمكنها أن تعبثَ بمشاعر الآخرين ، تمتلك قلباً صفياً و طاهراً يا ( جورج ) .. لكن .. لمَ حدثَ ما حدث ؟!.. لما كانت لا تزال على تواصلٍ مع خطيبها السابق و تحدثه عن أمورها الخاصة يا ( جورج ) ؟!

    و نظرَ إلى ( جورج ) من جديد قائلاً و هو يعقد حاجبيه بقهر

    - لما فعلت ذلكَ برأيك ؟!
    - لا أعرف ، هل تعتقد أنها .. تحبه ؟!
    - لا يمكن إلا أن يكون ذلك !
    - ربما كان أقربُ إليها صديقاً من حبيب !.. هل تأكدت من ذلك ؟
    - حاولت التأكد لكن .. لم أستطع تمالك نفسي ، و انهيت كل شيء .
    - و الآن يقتلكَ الندم ؟!

    هز ( آرثر ) رأسه بالإيجاب ، و قال

    - لا أستطيع التخلصَ منها يا ( جورج ) ، و ها هي هنا لتزيد من ألمي و عذابي .. لتكون بقربي و تمنعني من الاقتراب منها !

    صمت ( جورج ) ، ثم مدَّ إليه كوبَ القهوةِ و قال

    - خذ هذا إليها و تحدث معها قليلاً ، ربما تتاح لكَ الفرصة للإقتراب منها من جديد .
    - هي غاضبةٌ مني كثيراً .
    - لا بأس ، حاول يا ( آرثر ) .. إنها تستحق و أنت كذلك .

    أخذ ( آرثر ) كوب القهوةِ من ( جورج ) و قال شاكراً

    - شكراً لكَ يا ( جورج )

    ابتسم ( جورج ) و قال

    - سأكون بالقرب .. و أعود إليكما بعدَ دقائق .
    - حسناً .

    ابتعد حينها ( جورج ) ، و التقطَ ( آرثر ) أنفاسه و هو يشعر بالكثير من الراحة و الكثير من الأمل .. سيحاول ، ربما تمنحه ( روز ماري ) فرصةً أخرى .

    دخل إلى المسرح و قال بصوتٍ عالٍ يحدث الطلاب

    - لتأخذوا استراحةً أيها الأعزاء .

    التفتت ( روز ماري ) إليه متعجبة من هذا الدخول !.. ثم نظرت إلى الطلاب قائلة

    - حسناً لنمنح أنفسنا بعضَ الراحة .

    نزل المتدربون من المسرح و ذهبوا ليجلسون على المقاعد .
    وقف ( آرثر ) قبالة ( روز ماري ) و مد إليها كوب القهوةِ قائلاً

    - لقد أرسلها ( جورج ) .. سيعود بعدَ قليلٍ ليتابعَ معكِ التدريب .

    أمسكت ( روز ماري ) بالكوب قائلةً في هدوء

    - شكراً .. أينَ ذهب ؟
    - لا أعلم !

    احتست ( روز ) من كوبها .. و ( آرثر ) لا تزال عينيهِ تحدقان بها ، مما أربكها قليلاً .. فنظرت إليه قائلة

    - كيف يسير تدريب طلاب الموسيقى ؟
    - على أكمل وجه .

    ثم وجه سؤالاً إليها

    - هل تهتمين بـ ( جورج ) ؟!

    اتسعت عينيها في دهشة .. و حدقت في وجهه في ذهول ، ثم أصدرت ضحكةً ساخرة و قالت

    - ماذا برأيك ؟!

    ابتسم ( آرثر ) و قال

    - ( جورج ) سيتزوج قريباً .

    ارتفعَ صوت ضحكتها قليلاً .. ثم قالت

    - أعرف جيداً ذلك ، ( جورج ) زميل عملٍ فقط .. عندما أغادر هذه المدرسة فلن نلتقي مجدداً و سينتهي ما يجمعنا .

    ثم تساءلت بانزعاجٍ و هي تعقد حاجبيها

    - هل تنوي اهانتي يا ( آرثر ) ؟!.. و كأنكَ تقول لي لا تختطفي الرجلَ من زوجته ؟!

    ضحكَ ( آرثر ) و قال معتذراً

    - لا أبداً ، و أعتذر على ذلك .. لكني فقط ، أحسده .

    ابعدت عينيها عنه و عادت تحتسي من كوبها .. و قد عاودها الارتباك من جديد ، فقال ( آرثر )

    - سمعتكِ تتحدثين مع ( بيتر ) في الهاتف منذ أسبوعٍ تقريباً .. لقد منعتيه من محادثتكِ ثانيةً !

    نظرت إليه ( روز ) وقد شعرت بالضيق ، فقالت بحدة

    - أتمنى أن لا تلقي بالاً لكل ما يحدث معي يا ( آرثر ) ، لن أبرر لكَ موقفي من ( بيتر ) .. فالفرصة التي منحتني إيها اقتطعتها بنفسكَ و حسمت كل شيء .. لا تتطفل في شؤوني رجاءً .. فلن تنفعَ الحقيقة في شيءٍ الآن .

    صمتَ و هو يحدق في عينيها بغضب .. فاستدارت عنه و جلست على أحد المقاعد قاطبةَ الجبين .
    رن في هذه اللحظة هاتفَ ( آرثر ) ، فأخرجَ هاتفه من جيبه ، حدقَ في اسم المتصل لبرهة ، ثم أجاب

    - مرحباً ( جودي ) .

    نظرت ( روز ماري ) لـ ( آرثر ) و قد فاجأها اتصال شقيقتها به .. لكنها لم تهتم ، و عادت تحتسي من كوبها تحاول تجاهلهما .

    أجابت ( جودي ) قائلة بشوقٍ شديد

    - بخير .. لكن ماذا عنكَ يا ( آرثر ) ؟.. لقد اشتقت إليكَ كثيراً .
    - أنا بخير .. كيف ( صوفي ) و السيدة ( كاثي ) ؟
    - جميعنا بخير .. أخبرني ، كيف يسير عملك ؟
    - بأحسن حال ، شكراً لكِ .

    ثم قالت بعدَ ترددٍ و بصوتٍ مرتبك

    - و ( روز ماري ) ، هل التقيتَ بها ؟.. لقد استدعتها المدرسة لأجل عملٍ ما !

    ابتسم ( آرثر ) و قال و هو ينظر لـ ( روز )

    - نعم التقيت بها ، حتى أني أقف معها نتبادل الحديث الآن .

    صمتت و قد فاجأتها إجابة ( آرثر ) .. شعرت بالقهر و الضيق الشديد ، ثم قالت

    - اه .. ذلكَ جيد .. هل هي بخير ؟
    - نعم .. هل تريدين مكالمتها ؟
    - لا بأس .

    اقترب ( آرثر ) من ( روز ماري ) و أعطاها الهاتف و هو يقول

    - ( جودي ) تريد محادثتكِ .

    نظرت ( روز ) إلى الهاتف للحظاتٍ بضيق ، ثم التقطت الهاتف و وضعته عند اذنها و قالت

    - مرحباً ( جودي ) .
    - أهلاً ( روز ) ، كيف حالكِ ؟
    - جيدة جداً .. ماذا عنكِ ؟
    - بخير ، اشتقت كثيراً لكِ .

    قالت ( روز ماري ) ساخرة

    - ذلكَ واضح ، حتى أنكِ طلبتني على هاتفي عوضاً عن هاتف ( آرثر ) !

    شعرت ( جودي ) بالإحراج ، فقالت معتذرة

    - كنتُ سأهاتفكِ ، تعرفين أن والدتي قد عاقبتني بسحب الهاتف مني .. منذ بضعةِ أيام فقط أعادته لي .
    - لا تهتمي .. بلغي سلامي لـ ( صوفي ) و أمي ، إلى اللقاء .

    قالت ذلكَ و أعادت الهاتف لـ ( آرثر ) ، فودع ( آرثر ) ( جودي ) ثم نظر إلى ( روز ) قائلاً باستنكار

    - مابكِ ؟.. تبدينَ غاضبةً من شقيقتك !؟

    رمقته بعينيها ، ثم قالت

    - ذلكَ لا يعنيك .

    جلسَ إلى جانبها و قال و هو يقترب منها في همس

    - بل يعنيني ، ( جودي ) بمثابةِ أختي .. و أنتِ ..
    قال ذلكَ و لم يكمل كلامه ، فأخذت ( روز ماري ) نفساً عميقاً محاولةً السيطرة على نفسها .. ثم وقفت و قالت بانفعال

    - كف عن مضايقتي رجاءً !.. لا تكف عن الكلام الفارغ مذ أتيت !.. أنتَ تزعجني حقاً .

    ثم استدارت للطلاب قائلة بصوتٍ عالٍ

    - هيا لنتابع عملنا .

    حدق فيها ( آرثر ) مبتسماً .. و لزم الصمت .
    حينها أقبل عليهم ( جورج ) .. رحب بالجميع ، و نظرَ إلى ( آرثر ) الذي بادله النظرات و هو يرفع حاجبيه باستسلام .. فلم يجدي الحديث شيئاً .

    ثم نهض ( آرثر ) و استأذن الجميع ، و غادر المكان .. بينما استكمل البقية التدريب .
     
  3. البدورx

    البدورx عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    نقاط الجائزة:
    130
    الجنس:
    أنثى
    الجزء •• الرابع و العشرين ••




    أخيراً حان موعد العرض ، و منذ الصباح الباكر كان الجميع مستنفراً للإستعداد .
    ( روز ماري ) و ( جورج ) مع المتدربون .. و فريق الموسيقى .. حضرَ باكراً ، لكن دونَ ( آرثر ) ..!

    تساءلت ( روز ماري ) في نفسها عن سبب تأخر ( آرثر ) ، إنها الساعة الثامنة الآن و العرض يوشك على البدء في التاسعة !
    تبادر في رأسها أن ( آرثر ) يتعمد عدم المجيء ، لعله لا يريد حضور المسرحية .. لقد تخلفَ عن الحضور سابقاً و ها هو يتخلف اليوم .

    لم تكن ( روز ماري ) الشخص الوحيد الذي استغربَ تأخرَ ( آرثر ) ، بل حتى ( جورج ) .. جاء لـ ( روز ماري ) يفصح عن استغرابه لتخلف ( آرثر ) عن المسرحية ..

    - استغرب كثيراً لما لم يحضر ( آرثر ) ، فريقه بحاجةٍ إليه !.. هم هنا منذ نصف ساعةٍ و هو لم يحضر حتى الآن !

    قالت ( روز ) متمالكةً نفسها تحاول أن تخفي انزعاجها

    - ربما لن يحضر !؟.. هل سألتَ الطلاب لما لم يأتي لمرافقتهم حتى الآن ؟
    - لا لم أسأل .. سأذهب و أرى .
    - حسناً أنا انتظرك .

    ذهبَ ( جورج ) حيث يقف طلاب الموسيقى ، كانوا يتبادلون الحديث .. فقاطعهم ( جورج ) قائلاً

    - كيف تسير الأمور معكم أيها الأبطال ؟

    أجابه أحدهم

    - على خير ما يرام .
    - انتم مستعدون جيداً ؟
    - نعم .. لكن .. معلمنا ( آرثر ) ، أ لن يكون معنا ؟

    رفع ( جورج ) حاجبيه و قال

    - يفترض أنه هنا ، كنت أتساءل عن تأخره حتى الآن !.. سأهاتفه إذاً لأعجِّلَ به .

    أخرجَ هاتفه ليطلبَ رقم ( آرثر ) ، لكن سرعان ما توقف حينما سمعَ صوت معلمة الموسيقى ( سوزي ) قائلة وهي مقبلةٌ عليهم

    - مرحباً يا شباب .

    أجابها الجميع

    - مرحباً .

    قالت بعدَ أن أخرجت من صدرها تنهيدةً قوية

    - حسناً سأكون معكم هنا اليوم بدلاً من ( آرثر ) ، إنه متوعك و قد غادر إلى المستشفى منذ الصباح الباكر .. و قد كلفني بالبقاء معكم .

    قال أحد الطلاب مستفهماً

    - سيتأخر ؟
    - يبدو ذلك !.. حسناً أخبروني أي المقطوعاتِ ستقمن بعزفها ؟.. و ما هي أول مقطوعة ؟

    قال ( جورج ) منصرفاً

    - حسناً عملٌ موفق يا ( سوزي ) .

    ابتسمت إليه قائلة

    - بالتوفيق لكَ أيضاً يا ( جورج ) .

    عاد ( جورج ) حيثُ ( روز ماري ) التي كانت شاردةً في غضب من تأخر ( آرثر ) .. و قال موضحاً بعدَ أن لفتَ انتباهها بقدومه

    - لن يحضر ( آرثر ) كما ظننتِ .

    رمقته بحاجبينٍ معقودين ، و قالت و الضيق بادٍ عليها

    - يتصرف كالأطفال .

    عقد ( جورج ) حاجبيه متعجباً من قولها ، ثم قال بهدوء

    - إنه في المستشفى !.. منذ الصبح الباكر .

    تبدلت ملامحها من الغضب إلى الدهشة ، ثم قالت

    - ما به ؟!.. مالذي أصابه ؟
    - قالت ( سوزي ) أنه متوعك .. و قد أوصاها بمرافقةِ التلاميذ بدلا منه .

    عقدت حاجبيها و تساءلت

    - من ( سوزي ) ؟!
    - زميلته في الموسيقى .

    صمتت ( روز ) و قد أخذتها الأفكار .. حدثت نفسها في خلدها

    - ترى هل هو مريضٌ للحدِ الذي يجعله يتخلف عن حضور المسرحية ؟!.. أم تعمد ذلك ، ليبلغني أن مسرحيتي لا تهمه ؟..

    انكست رأسها و هي تصدر زفرةً طويلة ، نظر إليها ( جورج ) سائلاً

    - أنتِ بخير ؟

    رفعت رأسها إليه و أجابت بمضض

    - بخير .

    و بعدَ نصفِ ساعةٍ أخرى ، بدأ العرض
    كان كل شيئاً رائعاً و متكاملاً ، طبيعة المسرح .. و الأزياء و الموسيقى .. و كذلكَ التمثيل ، استمتعَ الصغار بالعرض .. و كذلكَ الحاضرين من المعلمين ، إلا ( روز ماري ) .. لم تكن تنظر باندماجٍ و لم تستشعر جمال العرض ، فعقلها شارد و عينيها سارحتين .. كانت غارقةً بالتفكير ، هي مستاءة من ( آرثر ) .. و تجزم أنه يتعمد عدم الحضور ، إنه لا يهتم .. و لا يقدرُ شيئاً من الماضي الذي كان بينهما .

    بعدَ ساعتين تقريباً انتهى العرض .. نظرَ ( جورج ) لـ ( روز ماري ) مبتسماً و قال بسعادة

    - كان العرض أجمل مما كنت أتوقع !.. كل شيء رائع و متناغم .. كانت المسرحية مدهشة .

    تكلفت ( روز ماري ) في رسم ابتسامةٍ على شفتيها و قالت في هدوء

    - نعم ، كان العمل جميلاً .. عن إذنك .

    اتسعت عينا ( جورج ) و قال متسائلاً

    - مهلاً ، إلى أين ؟!
    - أشعر بالتعب ، لم أنم جيداً ليلة البارحة .. و أيضاً يتوجب عليّ توضيب أغراضي .. سأغادر الآن .

    قال ( جورج ) مستنكراً رغبتها في المغادرة

    - انتِ مستعجلة !.. إبقي للغد أو حتى لبعدِ الغد .

    ثم أضاف مبتسماً و هو يخفض صوته

    - ثم أني سمعت أن السيدة ( سارة ) تنوي تكريمكِ غداً .
    - لا أعرف ، سأرى السيدة ( سارة ) إذاً .. لكن علي الآن أن أوضب أغراضي .

    و بينما هي ذاهبة ، جاءت المعلمة ( سوزي ) لـ ( جورج ) قائلة

    - ( جورج ) ، سأذهب لرؤيةِ ( آرثر ) في المستشفى .. هل تنوي مرافقتي ؟

    توقفت ( روز ماري ) و نظرت إليهما في صمت .. فسمعت ( جورج ) يجيبها

    - ما به يا ( سوزي ) ؟!.. بتُّ أقلقُ عليه !
    - حرارته مرتفعة كثيراً ، و لا تنخفض بسهولة .. لذلكَ سيبقى في المستشفى ليتلقى العلاج هناك لبضعةِ أيام .
    - آه !.. يا إلهي .. حسناً سآتي معكِ .

    ثم نظرَ إلى ( روز ماري ) التي لا تزال واقفةً تصغي لحديثهما .. و قال لها

    - هل تأتين معنا لرؤية ( آرثر ) يا ( روز ) ؟

    اتسعت عينيها متفاجئةً من عرضه !.. ثم قالت بهدوء

    - لا ، لن أستطيع المجيء .

    و استدارت لتغادرهم و تعود إلى غرفتها .. و هي تشعر بالضيق الشديد في صدرها .

    دخلت إلى غرفتها و أغلقت الباب بانفعال .. و أخذت نفساً عميقاً محاولةً استجلاب هدوءها و استقرار أنفاسها التي بدأت تتلاحق .

    رفعت رأسها إلى الأعلى و هي تستند على الباب .. و خاطبت نفسها بحزن .

    - لم أعد أستطيع .. لم أعد امتلك الجرءة لزيارتك يا ( آرثر ) ، أنتَ لم تعد تعنيني .. أ ليسَ هذا ما يجب أن يكون ؟

    طُرقَ باب الغرفة .. فابتعدت عن الباب بارتباك ، فجاءها صوت ( جورج ) من خلفه

    - ( روز ) ، هل يمكنني التحدث معكِ قليلاً ؟

    أخذت ( روز ماري ) نفساً عميقاً و استعادت زمام نفسها .. ثم فتحت الباب و هي تحاول أن تتغلبَ على حزنها و تبدو بمظهرٍ طبيعي .. فقالت

    - مرحباً ( جورج ) ، بالتأكيد .. تفضل .

    دخل ( جورج ) الغرفة ، و ظل واقفاً عندَ الباب قائلاً

    - لن أطيل الحديث .

    أغلقت ( روز ماري ) الباب و قالت

    - ماذا هناك ؟
    - أتمنى لو جئتي معنا لزيارةِ ( آرثر ) ، سيسر كثيراً لو رآكِ .

    ابعدت عينيها عنه في صمت .. فاقتربَ منها قائلاً بهدوء

    - منذ أن عرفتِ أن ( آرثر ) لن يكون هنا لحضور المسرحيةِ و أنتِ منزعجة ، لم تكوني على حالكِ المعتاد .

    قالت بسرعةٍ محاولةً نكران الأمر

    - ( جورج ) ، لستُ منزعجةً أبداً ، أنتَ ..

    قاطعها قائلاً

    - لا تنكري يا ( روز ) ، أنا أعرف عما كان بينكما سابقاً .

    حدقت في عينيه بذهول .. و لزمت الصمت .
    بينما استأنفَ قوله

    - لقد حدثني ( آرثر ) عن كل شيء ، أعتقد أنكما تحبان بعضكما كثيراً حتى الآن .

    لاحت الدموع في عينيها و هي تنظر إليه ، فقال محاولاً تدارك الأمر

    - آه ( روز ) ! .. لم أقل ذلكَ لتبكين ! ، بل جئت لأحل الأمر إن كنت استطيع .. تودين الإطمئنان عليه أ ليسَ كذلك ؟.. لما تمنعينَ نفسكِ إذاً !؟

    تمالكت ( روز ) نفسها و تغلبت على دموعها .. و قالت بانفعال

    - لأن كل ما بيننا انتهى ، فسدت علاقتنا يا ( جورج ) !.. فسدت بشكلٍ تام ! ، علاقتنا ، علاقة والدتينا .. أيضاً الطريقة التي انهى بها ( آرثر ) الخطبة كانت بشعة ، بشعة جداً ! .. و أنا لن أغفرَ له !
    - لكنكِ تحطمينَ قلبكِ يا ( روز ) !..
    - سيزول كل ذلك مع الوقت ..
    - لا أعرف كيف انتهى الأمر بينكما ، لكن ( آرثر ) .. ما زال يكن لكِ الكثير بداخله .

    رفعت ( روز ماري ) حاجبيها و قالت ببساطة

    - انتهى كيفما انتهى !.. لم يعد يرغب بي ، تخلى عني دون لحظةِ تردد ، لقد تخلى عما بداخله اتجاهي ، و أنا سأفعل ذات الأمر .
    - أ لم تلحظي يا ( روز ) ؟!.. أ لم تلحظي محاولته للاقترابِ منكِ ؟.. إنه نادمٌ على ما حدث .. كان ذات يومٍ يقف من خلفِ الباب يرمقكِ بعينينٍ دامعتين ، يتمنى لو لم يفقد قلبكِ .. يتمنى لو أنكِ تبالينَ به كما يُبالي بكِ و يهتم يا ( روز ) !

    قاطعته ( روز ماري ) قائلة بعصبية

    - يكفي يا ( جورج ) !.. لقد دفنت مشاعري ناحية ( آرثر ) ، فلا تحاول نبشها رجاءً !

    نظرَ إليها ملياً في صمت ، ثم قال

    - بل أنتِ من تحفرُ في قلبها عبثاً ، لن تدفنيها يا ( روز ) .

    صمتت تحدق فيه بغيظ ، لعله محق !
    مهما أنكرت ، هي لا تستطيع أن تُعدمَ مشاعرها .. لا تستطيع أن تنفي الحب الذي استوطن قلبها بشكلٍ نهائي ، كلما حاولت .. خذلها الحنين و خذلتها الذكريات التي تطرق الشوق في كل لقاءٍ يجمع بينهما .

    حينما لم تقل ( روز ) شيئاً ، رفع ( جورج ) حاجبيه مستسلماً .. و قال و هو يهم بالمغادرة

    - ذلك شأنك ..

    و حين وضع يده على مقبض الباب يهم بفتحه .. استوقفه صوت ( روز ماري ) الغاضب

    - لقد جاء إلى منزلي و أهطل عليَّ الاتهامات .. نعتني بالخائنة ، ألصقَ التهمة بي و أنا لم أذنب !.. لم يصدقني و لم يصغي إليّ رغم قولي الحقيقة ..

    نظرَ إليها ( جورج ) في صمت ، فأضافت باكية بصوتٍ مرتجف

    - لقد كان كلامه جارحاً و قاسياً ، حتى و إن لم يتخلى قلبي عن حبه .. لن أستطيع نسيان تلكَ اللحظة ، و لن أستطيع مسامحته .. و لن أسمح بأن تعود المياه لمجاريها بعدَ ما حدث !

    هز ( جورج ) رأسه متفهماً موقف ( روز ماري ) .. ثم فتحَ الباب و غادر .

    مسحت ( روز ماري ) دموعها و حاولت استجلاب هدوئها .. لن تستسلم لمشاعرها ، لن تذهب إليه و لن تراه .. ستغادر الان فوراً إلى منزلها و تنسى كل المواقف التي جمعتها مع ( آرثر ) في هذه الفترة ..

    استجمعت نفسها و همت لتوضيب أغراضها .. ثم حملت حقيبتها و غادرت الغرفة دون عودة .

    *****

    لـطريقها للعودة استقلت ( روز ماري ) سيارةَ أجرة ، كانت غارقةٌ في التفكير .. لقد انتهى العمل الذي جمعها بـ ( آرثر ) ، و ما عادت هناك فرصةٌ أخرى للقائه .. إلا لو جمعتهما صدفةٌ نادرة

    ستعود إلى منزلها و هي لم تطمئن على حال ( آرثر ) ، كانت تتمنى أن تعرفَ ما به بالضبط .. ستتمنى له الشفاء العاجل ، هذا كل ما تقدر عليه .
    و ربما تعرف ما به من خلال ( إميلي ) !
    لا شك أن ( جودي ) ستسأل عنه و ستستطيع معرفةَ ما به .

    شعرت بقليلٍ من الإرتياح .. فتنفست الصعداء و طردت عنها كل الأفكار .. و ظلت تتأمل الطريق من خلال النافذة في هدوءٍ شديد .

    بعدَ الظهر ، وصلت ( روز ماري ) إلى منزلها .. فتحت الباب و دخلت إلى الصالةِ قائلة

    - لقد جئت .

    كان الجميع جالساً في الصالة ، عندما دخلت عليهن ( روز ) هتفن بفرح

    - ( روز ) لقد جئتي !

    تجلت السعادة في وجههن جميعاً ، و ذهبت ( روز ) لمعانقةِ والدتها باشتياق ، و قد بادلتها السيدة ( كاثي ) العناق بشوقٍ أكبر .. ثم عانقت شقيقتيها ( صوفي ) و ( جودي ) .

    جلسن بعدها لمعرفةِ ما حدثَ مع ( روز ) و قد حكت لهن ( روز ) كيفَ كان العمل جميلاً و أنها قد قضت وقتاً ممتعاً ستشتاق إليه .

    بعدَ الحديث ، صعدت ( روز ماري ) لتضعَ حقيبتها في الغرفة ، و قد رافقتاها ( جودي ) و ( صوفي ) .

    و حين دخلن الغرفة ، وضعت ( روز ) حقيبتها
    على الأرض قربَ خزانة ثيابها ، ثم ذهبت لسريرها و استلقت قائلة بارتياح

    - أخيراً عدت ، كم أشعر بالتعب و تنتابني رغبة شديدة للنوم بعمق .

    جلست ( صوفي ) على سرير ( جودي ) و قالت و هي تنظر لـ ( روز ماري )

    - نعم أخيراً عدتي ، لكن لم تخبرينا .. هل التقيتِ بـ ( آرثر ) ؟

    رفعت ( روز ماري ) عينيها نحو وجه ( صوفي ) .. ثم قالت دون مبالاة

    - اسألي ( جودي ) .

    اتسعت عيني ( صوفي ) باستغراب ، و قالت متسائلة

    - ( جودي ) ؟!.. من أينَ لـ ( جودي ) أن تعرف ؟

    و التفتت تنظر إلى توأمها ( جودي ) التي كانت واقفةً أمام المرآة ، وقد احتدت نظراتها و هي ترمق ( روز ) من حيث تقف .
    ثم قالت بصوتٍ واثقٍ و واضح

    - نعم ، أعرف يا ( صوفي ) .. لقد التقت به .. لقد هاتفتهما و عرفت منهما ذلك .

    جلست ( روز ماري ) و قالت مصححةً قول ( جودي ) و هي تشدّدُ على الكلمات

    - بل هاتفتهِ هو يا ( جودي ) ، لا أنا .. فلأذكركِ .

    قالت ( صوفي ) لتوأمها و هي تعقد حاجبيها

    - لما هاتفته يا ( جودي ) ؟!.. ألم تعدي أمي أن لا تكلميه ؟!.. ستغضب كثيراً لو علمت ذلك .

    قالت ( جودي ) محذرة

    - لذلكَ لن تعلم .. هل فهمتما ؟

    صمتت ( صوفي ) و هي ترمق توأمها قاطبة الجبين ، بينما قالت ( روز ماري ) بصوتٍ هادئ

    - حسناً .. لن تعلم .

    حدقت الفتاتين بـ ( روز ) في استغراب .. لم تتوقعا أبداً منها هذا الجواب ، بينما استطردت ( روز ) قائلة

    - كان ( آرثر ) متعباً جداً هذا اليوم ، و لم يستطع حضور عرض المسرحية .. و قد علمتُ أنه في المستشفى منذ الصباح الباكر .

    قفز قلبُ ( جودي ) ذعراً .. و قالت و القلق بادٍ على وجهها

    - ما به ؟!.. لما هو في المستشفى ؟

    قالت ( روز ماري ) و قد بان القلق عليها هي الأخرى

    - لم أعرف تماماً ، لكن حرارته مرتفعة .. و هو لا يستجيب للعلاج لذلك سيبقى في المستشفى لبضعةِ أيام .

    شهقت ( جودي ) بخوف ، و قالت بصوتٍ مرتعد

    - هل حالته خطيرة ؟!

    رفعت ( روز ) كتفيها قائلة بأسف

    - لا أعلم ..

    قالت ( جودي ) و هي تخرج هاتفها من جيبها

    - سأهاتفه لأعرف ..

    ثم نظرت لـ ( روز ) و قالت متسائلة

    - ما رأيكِ ؟.. هل أهاتفه ؟

    أجابت ( روز ماري ) بتردد

    - لا أعرف .. سيكون جيداً أن نطمئن .

    قالت ( صوفي ) معقبة

    - إن علمت أمي ستغضب كثيراً !.. برأيي دعكما منه و هاتفا ( إميلي ) .

    قالت ( روز )

    - ربما لم تعرف بعد ما به .

    قالت ( جودي ) بنفاذ صبرٍ و غضبٍ لـ ( صوفي )

    - ويحكِ ( صوفي ) !.. لا تكوني رقيباً علينا ، لقد اهلكتني .. سنهاتفه و نطمئن عليه فقط ، كوني مُعِيناً لنا أو الزمي الصمت !

    قالت ( صوفي ) غيرَ مباليةٍ و هي تمسك بهاتفها

    - شأنكما ذلك .. لكني انبهكما عما أنتما غافلتين عنه ، احذرا من أمي .

    شعرت ( روز ماري ) بالتوتر .. و أنكست رأسها في صمت ، بينما قالت ( جودي ) ساخرة

    - شكراً لاهتمامك .

    و أسرعت و طلبت رقم ( آرثر ) و مشت نحو النافذة تقف تترقب صوته .. بعد ثوانٍ جاءها صوته هادئاً

    - مرحباً ( جودي ) .

    أجابته ( جودي ) بارتباكٍ و حزن

    - ( آرثر ) .. كيفَ أنت ؟.. لقد قلقتُ عليكَ كثيراً ، أنتَ لستَ بخير .
    - لستُ بخيرٍ تماماً .. شكراً لقلقك لكن .. كيفَ عرفتي ؟!
    - ( روز ماري ) أخبرتني ، لقد عادت إلى المنزل قبل قليل .

    كانت ( روز ماري ) تصغي بقلبٍ متيقظٍ لـ ( جودي ) .. و قد أرجفها ذكر ( جودي ) معرفتها بمرضه منها شخصياً .

    قال ( آرثر ) متفاجئاً

    - عادت ؟!
    - نعم .. أخبرني ماذا بك ؟.. و متى ستغادر المستشفى ؟
    - لا تهتمي .. ليسَ بالأمر الخطير .. قد أغادر المستشفى غداً .

    قالت ( جودي ) مبتسمةً و قد شعرت بالإطمئنان

    - ذلك جيد ، أتمنى لكَ الشفاء العاجل .. كن بخير .
    - هل ( روز ) .. بالقرب منكِ ؟.. أرغب بمكالمتها .

    نظرت ( جودي ) في صمتٍ في عيني ( روز ماري ) الخضراوتين .. و بعدَ برهة قالت بصوتٍ منخفض خائب

    - حسناً .. إنها هنا .

    ثم مدت الهاتف لـ ( روز ) قائلة بهدوءٍ شديد

    - يريد محادثتكِ .

    اتسعت عيني ( روز ماري ) دهشةً .. أحست بنبضات قلبها تتسارع .. عضت على شفتها خجلاً و مدت يدها لتلتقط الهاتف من يد ( جودي ) .. و وضعته عند أذنها قائلة بنَفَسٍ محبوس

    - ألو ؟
    - مرحباً ( روز ) .
    - أهلاً ( آرثر ) .. كيفَ صرت ؟
    - سأكون بخير ، أخبرني ( جورج ) أنكِ لم تأتي معه و ( سوزي ) لزيارتي لأنكِ منشغلةً بتوضيب أغراضك .. لكن أرى أنكِ قد عدتِ إلى منزلكِ حتى !
    - نعم ، لم يكن هناك داعٍ للبقاء بعدَ انهائي عملي يا ( آرثر ) .

    قال بصوتٍ حزين

    - ماذا لو كنتُ أحتضر ؟.. كان عليكِ المجيء لرؤيتي و السماحِ لي برؤيتكِ قبلَ أن تغادري يا ( روز ) .. تمنيتُ لو أنكِ جئتِ مع ( جورج ) .

    قالت ( روز ) ناهرةً و هي تعقد حاجبيها

    - لا تقل ذلك يا ( آرثر ) ، أنتَ تتعافى .. و كان علي الذهاب فلم أستطع زيارتك .

    قال بأسف

    - حسناً ، كنتُ أيضاً أتمنى بشدةٍ أن أحضرَ المسرحية .. آسف جداً أن فاتني العرض للمرةِ الثانية .

    صمتت ( روز ماري ) قليلاً .. ثم قالت

    - لا يهم .. تماثل للشفاء الآن .
    - حسناً ، و أنتِ كوني بخيرٍ يا ( روز ) .. و شكراً كثيراً لأنكِ قبلتي بمحادثتي .

    قالت بصوتٍ منخفض

    - إلى اللقاء .
    - إلى اللقاء يا عزيزتي .

    أبعدت ( روز ماري ) الهاتف عن أذنها و أعطته ( جودي ) .. التي سرعان ما أمسكت به و وضعته عند أذنها لتكلم ( آرثر ) .. لكن الخط قد قطع ، فقد أغلق ( آرثر ) هاتفه و أنهى المكالمة .
    شعرت ( جودي ) بالقهر .. فهي لم تكتفي من الحديث معه !

    أغلقت هاتفها بعصبيةٍ و رمته على سريرها .
    بينما استلقت ( روز ماري ) على سريرها من جديدٍ و السكون يعتريها .. لقد شعرت بالكثير من الراحة حينما حدثته ، إنه بخير .. كان صوته جيداً و لا يوحي بالتعب الشديد .

    نظرت إليهما ( صوفي ) و قالت باستغراب

    - ما بكما ؟.. هل اطمأن قلبكما عليه ؟!

    قالت ( جودي ) بعصبية

    - هو بخير .. لكني منزعجة ، لم يُتِح لي فرصةً للحديث معه .

    و نظرت لـ ( روز ) بغضبٍ و كأنها تضعُ اللومَ عليها .
    ابتسمت ( صوفي ) ، و التفتت لشقيقتها ( روز ماري ) التي بدت شاردةً في سكونٍ و لم تنطق بكلمة .
    فقالت تسأل ( روز )

    - ( روز ) هل أنتِ بخير ؟

    أجابت ( روز ماري ) دون أن تنظر لـ ( صوفي ) و بصوتٍ هادئ

    - نعم ، أرغب بالنوم فقط .. فلا تزعجاني .
    - حسناً .

    و أخذت ( روز ) نفساً عميقاً .. و أغمضت عينيها .

    *********

    في المساء .. و عند العاشرة ، خرجت ( روز ماري ) من الحمام و وقفت عند المرآة تجفف شعرها بالمنشفةِ في هدوء ، كانت في الغرفة ( صوفي ) .. رفعت بصرها من حاسوبها المحمول إلى ( روز ) .. ثم قالت

    - هل تعرفين ؟.. تقول ( جودي ) أنها ستحاول الذهاب غداً لزيارة ( آرثر ) في المستشفى !

    قالت ( روز ) مستنكرة و عينيها لا تزالان على المرآة

    - هل جُنّت توأمكِ ؟!.

    ابتسمت ( صوفي ) و قالت

    - يبدو ذلك !
    - لتتعقل ، و تنسى ( آرثر ) .. علاقتنا به و بوالدتهِ لم تعد جيدة كالسابق ، يجب أن لا تُغضِبَ أمي و السيدة ( جوان ) .

    صمتت ( صوفي ) لبرهة ، ثم قالت بهدوء

    - ظننتكِ ستؤيديين ذهابها إليه ، و ربما رافقتها !

    استدارت ( روز ماري ) نحو ( صوفي ) و علامات التعجب ارتسمت على وجهها .. ثم أبعدت المنشفة عن رأسها و قالت في دهشة

    - ذلكَ مستحيل !.. لا أستطيع أن أخطوَ خطوةً واحدة للمستشفى .. ثمّ لما ظننتِ ذلك !؟

    قالت ( صوفي ) و البسمةُ اعتلت شفتيها

    - من يراكِ عصر اليوم كان سيظن ذلك !.. كنتِ تموتينَ من القلقِ عليه .

    توردت وجنتي ( روز ) خجلاً و هي تنظر في عيني ( صوفي ) الزرقاوتين .. و صمتت .
    فأضافت ( صوفي )

    - قلبكِ ما زال ينبض به .

    حبست ( روز ) أنفاسها للحظة ، ثم أطلقتها أنفاساً ثقيلة .. و قالت بأسى

    - ما كان بيننا جميلٌ يا ( صوفي ) .. لقد استمرت خطبتنا لفترةٍ ليست بقصيرة .. نحن نعرف بعضنا منذ عامٍ تقريباً !.. حدثت الكثير من الأمور الرائعة بيننا .. كان الحب في عينيه دائماً .. لقد أجبرني على محبته ، أغرمت به كثيراً و أحببته بقدر محبتهِ لي و ربما أكثر .. و بعدَ كل هذا ننفصل بطريقةٍ سخيفة ! ، هل من السهل أن لا ينبض قلبي حباً له لانقطاعنا شهرين فقط ؟!.. تجاهل مشاعري و الماضي الذي جمعنا ممكن ، إنما نسيانه و نبذه مستحيل !.. على الأقل الآن . قد أحتاج دهراً لأنسى يا ( صوفي ) ، حتى يكف قلبي عن الإرتعاش كلما أقبلَ عليَّ ( آرثر ) .


    تأثرت ( صوفي ) من قول ( روز ) .. ثم قالت

    - هل صادفتهِ كثيراً في المدرسة ؟

    هزت ( روز ) رأسها بالإجاب ثم قالت بصوتٍ هادئ

    - نعم ، و لم تكن مصادفات .. العمل قد جمعني به يا ( صوفي ) ، و ( آرثر ) .. لم يكن يكفُّ من الإقتراب مني و الحديث معي ، أشعر بحبه حتى الآن .

    قالت ( صوفي ) بانزعاج

    - إن كان يحبكِ لما تخلى عنكِ ؟!.. تصرفه كان غبياً حقاً !

    لزمت ( روز ماري ) الصمت .. و استدارت للمرآة ، و رفعت يدها لتلامس صورتها المنعكسة عليها مفكرة .. و متذكرة كلمات ( جورج ) .

    هل بكى ( آرثر ) حقاً ذات يومٍ و هو يختلس إليها النظر ؟!. هل تقتله المسافة التي بينهما ؟.. هل آرقهُ ذلكَ الحاجز الذي نَصبته بينها و بينه حتى لا يطالها ؟!.. أيعاني شوقاً كما تعاني هي ؟!

    أخذت نفساً عميقاً و هي تغمض عينيها .. و قالت تخاطبه بينها و بينها

    - تألم ، دع الندمَ ينهش قلبكَ قليلاً بعد .. تذوق مرارةَ ما صنعته يداك ، لقد أجرمتَ بحق كلينا يا ( آرثر ) .. لذلكَ أنتَ تستحق مني هذا الجفاء و أكثر ، لتتعلمَ أن لا تفرطَ بحبكَ بهذه السهولة .

    رمت بالمنشفةِ على الطاولة ، و التقطت فرشاة الشعر و أخذت تمشط شعرها في هدوءٍ و سكينة .
     
  4. البدورx

    البدورx عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    نقاط الجائزة:
    130
    الجنس:
    أنثى
    •• الجزء الخامس و العشرين ••




    في اليوم التالي .. قبيل الظهر ، خرجت ( جودي ) من عملها و هي عازمةٌ على زيارةِ ( آرثر ) في المستشفى .. قبل أن تستقل سيارةً رفعت هاتفها .
    طلبت رقم ( آرثر ) و انتظرته ليجيب .. بعدَ لحظات قصيرة أجابَ ( آرثر )

    - أهلا ( جودي )

    ابتسمت فور سماعها لصوته ، و قالت

    - أهلا ( آرثر ) ، كيف حالك اليوم ؟
    - إنني أتحسن .. شكراً لاهتمامك .

    قالت بحماسٍ و سرور

    - سوف آتي لزيارتكَ في المستشفى .. لكن أخبرني في أي مستشفىً أنت ؟

    جاءها صوته بعدَ لحظةِ صمتٍ

    - لستُ في المستشفى الآن ، لقد غادرتهُ صباحاً .

    اتسعت عيناها دهشةً و تجمدت في مكانها ، و قالت محبطة

    - لا أعرف ماذا أقول ، كنتُ أتمنى رؤيتك .. لكن حمداً لله على سلامتك .
    - شكراً ( جودي ) ..
    - أنتَ في المدرسةِ إذاً ؟
    - نعم ، لكنني في إجازةٍ اليوم .. ما زلتُ بحاجةٍ للراحة حتى أتماثل للشفاءِ تماماً .

    تنهدت ( جودي ) و قالت و هي تستديرُ عائدةً لمقر عملها

    - إذاً لأعود أنا لمتابعةِ عملي ، كنتُ سأستغل فرصةَ الإستراحة لزيارتك .. لكن لم يقدر لي ذلك .

    صمتَ ( آرثر ) للحظة .. ثم قال مستفهماً

    - ( روز ) في المنزل ؟

    أجابت و الإنزعاج بادٍ على صوتها

    - أينَ عساها أن تكون إذاً ؟
    - كنت أتساءل فقط .

    قالت ( جودي ) بمكر

    - ربما عندَ ( بيتر ) !؟

    أجابها ( آرثر ) مغتضباً

    - مُحال .. ( روز ماري ) لم تعد تهتم أبداً بذلك الشاب .

    قالت ( جودي ) متعجبة

    - و ما يدريك ؟!
    - أعرف ذلك تماماً ، لأني سمعتها بأم أذناي تنهره عن الاتصال بها مرةً أخرى .

    صمتت مفكرة في غضب ، ثم قالت محاولةً استفزاز ( آرثر )

    - لا أعرف لما تزال تثق بـ ( روز ) بعد كل ما حدث .
    - و أنا لا أعرف لما تحاولينَ قتلَ محبتي لـ ( روز ) دائماً !

    توقفت قدمي ( جودي ) عن المشي .. و لزمت الصمت و هي تمعن في كلمات ( آرثر ) ، خالجها الحزن .. هو حتى الآن لا يدرك محبتها له .. غارقٌ تفكيره في شقيقتها ( روز ماري ) و حسب .

    قالت أخيراً بصوتٍ هادئ

    - أريدُ أن أراك ..
    - يستحيل يا ( جودي ) .. حتى الإجازة .

    عاودت الصمت .. فتساءل

    - هل هناكَ أمرٌ ما يا ( جودي ) ؟
    - كنتُ أريدُ إيضاح أمرٍ ما .

    انتابه الفضول ، فقال باهتمام

    - مالذي تريدين إيضاحه يا ( جودي ) ؟

    تابعت ( جودي ) سيرها بهدوء ، و قالت

    - حينما تحين الفرصة و أراك أخبرك .. إلى اللقاء الآن .

    قال بمضض

    - إلى اللقاء .

    اغلقت هاتفها ، و أغلقَ هو هاتفه و الأسئلة تدور في رأسه .. قد تركته ( جودي ) حائراً دون إجابة .. لا سبيل سوى الانتظار حتى لقاءٍ يجمع بينهما و تخبره ما تريد إخباره به .

    *****

    بعدَ الغداء ، تلقت ( روز ماري ) مكالمةً من السيدة ( سارة ) من المدرسة الداخلية .
    كانت السيدة مصرة على مجيء ( روز ) إلى المدرسةِ لتحضرَ حفل التكريم في الغد .. فوعدتها ( روز ماري ) بالحضور .

    كانت ( جودي ) قد حضرت للتو إلى المنزل ، فحين سمعت بذلك عقبت

    - غداً إذا سيكون الاحتفال ، و ستذهبين ؟

    أجابتها ( روز )

    - نعم ، لقد أُحرِجْتُ كثيراً مع السيدة ( سارة ) ، إنها تصرّ على تكريمي !
    - سآتي معكِ إذاً .

    تعجب الجميع من قول ( جودي ) .. فقالت ( صوفي ) و هي تعقد حاجبيها

    - لديك عملٌ يا ( جودي ) !.. كيفَ ستذهبين ؟

    أجابت ببساطة

    - آخذُ إذاً في الصباح قبل أن نذهب .

    قالت السيدة ( كاثي ) معترضة

    - لم يمضي أسبوعٌ بعد منذ أن بدأتي التدريس يا ( جودي ) ، تعقلي و لا تسيئي لنفسكِ منذ البداية .

    قالت ( جودي ) بإصرار

    - بل سأذهب !.. ذلكَ لن يؤثر على عملي يا أمي الجميع يفعل ذلك !

    حدقت ( روز ماري ) في ( جودي ) .. فالتفتت ( جودي ) إليها حينما شعرت بعيني ( روز ) تمعنانِ النظر فيها .. و تساءلت بارتياب

    - لماذا تحدقين بي هكذا ؟!

    رفعت ( روز ) حاجبيها و قد اتسعت عينيها الخضراوتين

    - كنت أتساءل عن سببِ إصراركِ على المجيء !

    تنقّلت عيني ( صوفي ) بين توأمها و ( روز ) .. ثم استقرت على ( جودي ) التي بدأ التوتر يربك ملامح وجهها ، قد فهمت أن ( جودي ) تريد لقاء ( آرثر ) !
    بينما تساءلت السيدة ( كاثي ) و هي تعقد حاجبيها

    - نعم ؟!.. ما عندكِ يا ( جودي ) ؟

    تأففت ( جودي ) و أشاحت بوجهها بعيداً ، ثم نظرت لوالدتها و قالت بانفعال

    - لا شيء !.. أريد فقط أن أرى كيف تبدو المدرسة الداخلية !.. كنت أتمنى رؤيتها منذ زمن ، طالما حانت الفرصة فلما لا أذهب ؟..

    قالت السيدة دون اكتراثٍ و هي تنهض من مقعدها

    - ذلك شأنكِ ..

    و انصرفت إلى غرفتها ، فساد الصمت فجأةً .. و الفتيات الثلاثة يتبادلن النظرات دون حراك .
    فتحركت ( جودي ) لتقصدَ الغرفة هي الأخرى .

    حينها قالت ( صوفي ) هامسة لـ ( روز )

    - تريدُ أن تلتقي بـ ( آرثر ) !
    - أعرف .. فلتأتي .. ذلكَ لا يهمني أصلاً .

    *****

    حل يوم الغد .. و عند الثامنةِ صباحاً كانتا ( روز ) و ( جودي ) في طريقهما للمدرسةِ الداخلية .
    و بعدَ ساعةٍ تقريباً وصلت الفتاتين عند المدرسة ، دخلتا إلى الداخل .. و عند دخولهما بدا الاستمتاع على ( جودي ) ، كانت تتلفت في أرجاء المدرسة .. تنظر كل زاويةٍ يصل إليها بصرها
    نظرت إليها ( روز ماري ) ، ثم ابتسمت و قالت

    - تبدين سعيدة !

    ضحكت ( جودي ) و قالت

    - نعم إنها تختلف عن بقية المدارس ..
    - حسناً ( جودي ) ، عليّ الآن الذهاب للسيدة ( سارة ) .. هل سترافقينني ؟
    - لا .. سأتجول و أتعرف على جميع مرافق المدرسة .

    فكرت ( روز ماري ) و قالت متسائلة

    - أين سألقاكِ إذاً ؟!.. لا تتوهي عني و تشغليني يا ( جودي ) !

    فكرت ( جودي ) .. ثم عضت على شفتها السفلى و قد بدا عليها التردد ، رفعت ( روز ) حاجباً و سألتها

    - هل هناكَ شيء تودين قوله ؟!

    قالت ( جودي ) برجاء

    - أينَ غرفة ( آرثر ) ؟.. أريد رؤيته .

    حدقت ( روز ماري ) في وجه شقيقتها باغتضاب .. فقالت ( جودي ) و هي تشد كفَّ ( روز ) متوسلة

    - رجاءً ( روز ) !.. تعرفين أنِّي هنا لأجلهِ أساساً .. مرّ وقتٌ طويلٌ لم أراه فيه ! ، أرجوكِ أرشديني إليه .

    سحبت ( روز ماري ) كفها و قالت بعصبية

    - و التي لا تعرفُ أينَ غرفته أساساً ؟!.. ثم كفي يا ( جودي ) ، كفي ..!

    نظرت إليها ( جودي ) بصمتٍ و قهر ، فقالت ( روز )

    - سأذهب الآن و أعود سريعاً ، انتظريني هنا لنرافقَ بعضنا بقية الوقت .

    قالت ذلك و استدارت لتذهبَ للسيدة ( سارة ) .. و تركت ( جودي ) واقفةً في الفناء حزينة .. لكنها لن تستسلم و لن تهتم بـ ( روز ) ، سوفَ تراه و لن تفوتَ هذه الفرصة ..

    أخرجت هاتفها و طلبت رقمَ ( آرثر ) ، فأجابها بعد برهة

    - أهلاً ( جودي ) .. تهاتفيني كثيراً هذهِ الفترة ، مالذي يشغلكِ ؟

    جاءهُ صوتها حزيناً هادئ

    - ( آرثر ) أنا هنا في المدرسةِ الداخلية ، لو كنتَ متفرغاً ... أريد الحديث إليك .

    تعجبَ ( آرثر ) حينما سمعَ قولها .. و قال

    - حقاً ؟!.. أينَ أنتِ بالضبط ؟
    - للتو دخلتُ إلى المدرسة ، أنا في الفناء .
    - حسناً سآتيكِ بعد دقائق .
    - أنا أنتظرك .

    أغلقَ هاتفه و هو يشعر بالقلق ، لم يكن صوت ( جودي ) يوحي أنها بخير .. و مجيئها للمدرسة .. لا بد أن الأمر مستعجلٌ و لا يحتمل التأجيل ، ترى مالذي يحصل ؟

    دارت هذه التساؤلات في عقل ( آرثر ) و هو في الطريق إليها ، بعدَ دقائق .. وصلَ إلى الفناء .
    و توقفت قدميه حينما رأى ( جودي ) واقفةً تدير ظهرها إليه .
    لكنه عرفها بشعرها المجعد الأشقر الذي كان مسدلاً على كتفيها .

    نادها و هو يقترب

    - ( جودي ) !

    استدارت إليه .. و التقت عيناها بعينيه ، حينما رأته فاضَ بها الشوق .. فتقدمت إليه باكيةً و القت بنفسها على صدره و احتضنته .

    انتابَ ( آرثر ) الفزع ، كانت ( جودي ) تصدر شهقاتٍ خافتة على صدره و تشده بقوة .
    أمسكَ بساعديها و قالَ بقلقٍ شديد

    - ( جودي ) هل أنتِ بخير ؟!.. لما تبكين ؟.. مالذي حل بكِ ؟

    رفعت وجهها إليه ، و اعتدلت في وقفتها و مسحت دموعها التي بللت وجنتيها و هي تقول بصوتٍ مخنوق

    - لا تقلق ، لم يصبني مكروه .

    نظرَ إلى عينيها الزرقاوتينِ مستنكراً

    - ذلكَ ليس صحيحاً ؟!.. أخبريني مالذي يضايقك يا ( جودي ) ؟

    شعرت بالاهتمام الشديد و هي تحدق في عينيه اللتين تنظران إلى عينيها .. فابتسمت قائلة

    - كل ما في الأمرِ أني .. اشتقتُ إليكَ كثيراً .

    اتسعت عينا ( آرثر ) دهشةً ، لم يكن يتوقع جواباً منها كهذا الجواب !
    أخذ نفساً عميقاً .. و نظرَ إليها بصمت .. فقالت بهمس

    - قد منعتني أمي منكَ طيلةَ الشهريين الماضيين ، منعتني من زيارةِ ( إميلي ) .. من محادثتك ، كنت أهاتفكَ سراً في كل مرةٍ أجري فيها اتصالاً إليك .
    - بسبب ما حدث بيني و بين ( روز ) ؟

    هزت رأسها بالإيجاب .. و تابعت

    - لم يتوقف الأمر عند ذلكَ الأمر فقط ، لقد تخاصمت والدتينا يا ( آرثر ) .. حتى اليوم هما لم تتحدثا مع بعضهما ، أما ( إميلي ) .. فقد سمحت أمي لنا بمحادثتها على الهاتف مؤخراً حينما استأذنت منها ( روز ماري ) .

    أصدرَ ( آرثر ) تنهيدةً طويلة .. ثم قال بأسف

    - حقاً ضايقني سماع ذلك .. لم أكن أتمنى حدوثَ ما حدث ، حتى انفصالي من ( روز ماري ) ، صدقيني يا ( جودي ) إني نادمٌ أشد الندم .

    نظرت إليه ( جودي ) و النار قد اشتعلت بصدرها .. بينما تابع

    - بعدَ أن هدأتُ أمعنتُ التفكير .. لا يعقل أن ( روز ) تفعل ذلك ! ، كانت تحبني .. و إني أجزم أن قلبها لم يتبرأ من هذا الحب حتى هذهِ اللحظة .. أشعر بقلبها المكسور و حزنها المرير ، و يتمزق قلبي ألفَ قطعةٍ كلما تذكرتُ فداحةَ ما فعلت ، و ما قلته لها تلكَ الليلة .

    قالت ( جودي ) بانفعالٍ و الدموع قد لاحت في عينيها من شدةِ القهر

    - لا تكن مجنوناً !.. لا تلم نفسكَ على شيءٍ لأنه لا يستحق الأسف !.. ( روز ) تحبُّ ( بيتر ) ، أم أنكَ نسيتَ رسالتها إليه ؟!
    - لم تتضمن الرسالةَ كلمةً تدل على حبها له يا ( جودي ) ، و لم تأتي لمقابلته كذلك ، لماذا يا ترى ؟

    على صوتها فجأةً و هي تقول بنفاذ صبر

    - لا أعرف !.. لكن لا تتوهم أنها تحبك !.. قد نبذتكَ من قلبها منذ مدةٍ طويلة ، تخلت عنك .. و أنتَ لا تزال تتسكع في مقبرةِ حبكما المدفون تبحث عن رجاءٍ لتحييه من جديد !

    نظرَ إلى عينيها الغارقتين بالدموع ، شعرَ بقلبها المحترق .. ( روز ) و ( صوفي ) محقتان إذاً ، ( جودي ) لم تتخلى عنه حتى هذه اللحظة .. هي تحبه بجنون

    تذكرَ قولهما .. حينما أخبرتاه بأن ( جودي ) هي من أرسلت لـ ( بيتر ) ، لعلهما صَدَقَتَا في قولهما .

    أخذت ( جودي ) نفساً محاولةً السيطرة على انفعالها .. ثم قالت بقلبٍ منهك و هي تحدق في وجهه

    - ( آرثر ) ، ألا تشعر بي ؟.. ألا تفهمني ؟!

    نظرَ إليها ملياً ، ثم قال

    - هل تحبينني ؟

    انكست رأسها بخجلٍ يذيب قلبها ، و هزت رأسها بالإيجاب .. ثم قالت و هي لا تزال تنكس رأسها

    - لكنكَ لا تحبني ، و لا تهتم لمشاعري أبداً و تتشبث بـ ( روز ) التي تكرهك .
    - سأسألكِ يا ( جودي ) ، و أرجوكِ أجيبيني بصدق .. هل أنتِ من أرسلت تلكَ الرسالةَ لـ ( بيتر ) من هاتف ( روز ) ؟

    رفعت رأسها إليه بعينينٍ متسعتين ، قد أرعدها سؤاله .. و قالت كاذبةً تحاول إنكار حقيقةَ ذلك

    - أبداً ، أبداً يا ( آرثر ) لستُ من أرسلَ إليه !

    قال و هو يقطب جبينه بعصبية

    - لن تصدقيني القول أبداً !

    شدته من ذراعهِ و قالت و الدموع تنهمر من عينيها

    - صدقني ( آرثر ) لا علاقةَ لي بكل ما حدث .

    سحبَ ( آرثر ) ذراعه من يديها و قال و قد احتد صوته غضباً

    - ليكن بعلمك ، ( روز ) وحدها من تسكن قلبي .. و لن أتخلى عن مشاعري نحوها حتى لو لم ترضَ علي أبداً .. هل فهمتي ؟.. فتاةٌ مخادعة مثلكِ لا تستحق اهتماماً حتى .

    شدته من جديدٍ و قد على صوت بكائها .. و قالت ترجوه

    - لا تفعل بي هذا يا ( آرثر ) ، لا تكسر قلبي .. إني متيمةٌ بك !

    سحبَ ذراعه مرةً أخرى ناهراً

    - أبعدي يدكِ عني .. غادري الآن يا ( جودي ) ، غادري فلستُ أطيقُ رؤية وجهكِ .

    في هذه اللحظة جاءت ( روز ماري ) ، و قد شعرت بالذعر من صراخِ ( آرثر ) و دموع ( جودي ) الغزيرة .

    أقتربت منهما مهرولةً إليهما .. و وقفت تمسك بـ ( جودي ) متسائلة بخوف

    - ما بكما ؟..

    و نظرت لـ ( آرثر ) بعينينٍ وجلتينٍ قائلة

    - مالذي يحصل هنا ؟..

    لم يجبها ( آرثر ) بل استمر في النظر لـ ( جودي ) بعينينٍ تشتطان غضباً .
    فنظرت لشقيقتها ( جودي ) و سألتها باهتمامٍ و قلق

    - ما بكِ يا عزيزتي لما تبكين ؟!

    نظرت إليها ( جودي ) و الدموع لا تزال تنحدر على وجنتيها ، كانت نظراتها مليئةٌ بالحقد و الكره ..

    شعرت ( روز ) بالخوف أكثر .. فهمست

    - ( جودي ) ؟

    دفعتها ( جودي ) صارخةً بكلتا يديها قائلة

    - ابتعدي عني !..

    تراجعت ( روز ) مدفوعةً للوراء .. و قد أفزعها تصرف شقيقتها العدائي معها .. بينما صرخَ ( آرثر ) بغضبٍ على ( جودي ) و رفع يده ليوجه صفعةً على وجهها .

    شهقت ( روز ماري ) و وضعت كفيها على فمها .. بينما تأوهت ( جودي ) .. و رفعت يدها على خدها المحمر و هي تشعر بالخزي و الانكسار ..

    و عاد ( آرثر ) يصرخ عليها بغضب

    - أغربي ، أغربي عني يا ( جودي ) !

    نظرت إليه ( جودي ) بغضب .. و استدارت عنهما مسرعةً لتغادرَ المدرسةَ بأكملها ..

    نظرت ( روز ) لـ ( آرثر ) معاتبةً إياه على ما فعل .. و قالت تبدي استياءها الشديد

    - آه ( آرثر ) ..

    و أسرعت لتلحقَ بشقيقتها خارج المدرسة ، و فور خروجها ..

    وصلَ إلى مسامعها صوت مكابح سيارةٍ آتٍ من قريب ، شعرت بالفزع !.. و ذهبت نحو الصوت و هي تهمس بوجلٍ و قلبٍ مرتعد

    - ( جودي ) !..

    أسرعت بالركض و فرائصها ترتعد ، و توقفت مذهولة .. و متجمدةً من هول ما رأت .. كانت ( جودي ) ملقيّةً على الشارعِ إثرَ ارتطام السيارة بها .. فاقدةً الوعي .

    صرخت بصوتٍ مذعور

    - ( جودي ) !..

    لحقَ ( آرثر ) بـ ( روز ماري ) ، و حينما سمعَ صرختها توقعَ ما حدث .. اقتربَ من ( روز ) و رأى ما رأت .. فأمسكَ بـ ( روز ) التي غطت وجهها بكفيها باكيةً منهارة تكاد تقع على الأرض .. فأجلسها على الارض و جلس بقربها محاولاً تهدأتها .. لكن ( روز ) لم تكف النحيب ..

    اتصل فوراً بالإسعاف و طلب النجدة ، و ظل رجاءهما فقط .. في أن تكون ( جودي ) لم تلفظ أنفاسها الأخيرة .
     
  5. البدورx

    البدورx عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2016
    المشاركات:
    43
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    نقاط الجائزة:
    130
    الجنس:
    أنثى
    •• الجزء الأخير ••

    استدعيت الإسعاف ، و نقلت ( جودي ) إلى المستشفى ..
    كانت ( روز ماري ) في حالةٍ يرثى لها .. لا تستطيع استيعاب ما حدث !
    وجدت شقيقتها مرميةً على الأرض دونَ حراك .. فاقدةً وعيها و بالكاد تتنفس !

    في المستشفى ، كانت ( روز ) جالسةً على أحد المقاعد عند قسم العمليات و معها ( آرثر ) ، فقد تبين أن ( جودي ) تعاني من كسور ..

    كانت تتمتم ( روز ) ببعض الكلمات مع نفسها و الدموع تتناثر من عينيها ، ترجو أن تخرجَ ( جودي ) من غرفةِ العمليات سالمةً معافاة .

    نظرَ إليها ( آرثر ) .. و شعر بالقلقِ حيال ( روز ماري ) .. تبدو مرتعدةً و خائفة بشكلٍ رهيب .
    أقتربَ منها و وضع يده على كتفها و قال بصوتٍ هادئ

    - أرجوكِ يا ( روز ) ، اهدئي قليلاً !.. ستكون ( جودي ) بخير صدقيني !

    نظرت إليه و قالت بصوتٍ مذعور

    - كان منظرها مرعباً ، أحسستُ أن روحها قد غادرت جسدها يا ( آرثر ) !..

    اتسعت عينيها الغارقتين بالدموع و هي تقول

    - كانت بالكاد تتنفس ! .. ألم تسمع ما قالت الممرضة ؟.. قالت أنها تتنفس بصعوبةٍ شديدة !.. أنا خائفة يا ( آرثر ) ، خائفة !

    و عادت تجهش بالبكاء بصوتٍ مسموع .. احتضنها ( آرثر ) محاولاً مواساتها و التخفيف عنها ..

    و بعدَ مضي نصف ساعة .. خرجَ الطبيب مع بعض الممرضين .
    وقفت ( روز ) و وقفَ ( آرثر ) وجلاً .. و تساءل بصوتٍ منخفض

    - ماذا حدث ؟!

    تقدمت ( روز ماري ) عند الطبيب و قالت تسأل على عجلة

    - أخبرني أيها الطبيب .. كيفَ حال ( جودي ) الآن ؟

    نظر الطبيب إلى ( روز ماري ) بأسف ، و قال

    - تضررت الرئة اليمنى كثيراً ، و لم يدركنا الوقت لفعل أي شيء !.. أنا آسف ..

    اتسعت عينا ( روز ) و الدموع تساقطت على وجنتيها .. و قالت بذهول

    - ماتت ؟!..

    هز الطبيب رأسه بأسفٍ و مضى ..
    فانهارت ( روز ماري ) و سقطت على الأرض باكيةً و هي تنحب .
    مشى إليها ( آرثر ) و انحنى إليها محاولاً مساعدتها على الوقوف ..
    فوقفت بصعوبةٍ و هي تستند ذراعيه .. تنظر إليه قائلة بصوتٍ مبحوح

    - ماتت ( جودي ) يا ( آرثر ) ، لقد ماتت ( جودي ) !..

    غرورقت عيناه بالدموع ، و ضم ( روز ماري ) بقوةٍ و بكى هو الآخر .. و ارتفع صوت بكاء ( روز ) ..

    ضج المكان ببكائها ، و ما من حيلةٍ عند ( آرثر ) ليجعلها تكف النحيب .. سوى أنه غادر بها إلى خارج المستشفى ..

    ========

    في سيارة ( آرثر ) ، كانت ( روز ماري ) تستند في مقعدها حزينة ، تنظر بعينيها المتعبتين إلى المستشفى من خلال النافذة .. تفكر في المصيبةِ التي حلت فوق رأسها .
    كان ( آرثر ) ينظر إليها بقلق ، يريد منها أن تحدثه قليلاً بما تفكر فيه !
    قد مرت خمسة عشرة دقيقة و هي صامته تحدق من النافذة .. تبكي قليلاً و تعاود الصمت ..

    أخيراً قرر محادثتها ، فسألها بهدوء

    - ( روز ) ؟.. هل أنتِ أفضل حالاً الآن ؟

    أصغت إليه و لم تحرك ساكناً .. ثم أدارت رأسها إليه بهدوءٍ شديد .. و أجابت و الإنهاك بادٍ عليها

    - لا أعرف .. تقتلني الحيرة يا ( آرثر ) .. ماذا سأفعل الآن ؟

    رنّ هاتفها فجأةً ، ففزعت و اعتدلت في جلستها و هي تشهق .. جفل ( آرثر ) من حركتها المفاجأة و قال محاولاً تهدئتها

    - هوني عليكِ !.. إنه الهاتف ..

    قالت و قد بدى عليها التوتر

    - أمي !.. لعلها أمي ، ماذا سأقول لها ؟!
    - اهدئي قليلاً يا ( روز ) حتى تحسني التصرف .

    أخذت نفساً عميقاً محاولةً ضبط هدوئها .. ثم أمسكت بهاتفها و نظرت إلى الهاتف ، و شعرت بالارتياح حينَ كان المتصل السيدة ( سارة ) ..

    قالت لـ ( آرثر )

    - إنها السيدة ( سارة ) ، أجب عليها أرجوك .

    قال و هو يلتقط الهاتف من يدها

    - حسناً .

    ثم غادر السيارة و أغلق الباب خلفه و أجاب ..
    أبتعد قليلاً ، حيث كانت ( روز ماري ) لا تستطيع سماعه .. فعادت و ألقت بنفسها على المقعد و هي تفكر بوالدتها و ( صوفي ) .

    كيفَ ستخبرهما بما حصل ؟..
    مسحت الدموع من عينيها و مسحت على رأسها بكلتا يديها و هي تقول

    - يا إلهي ..

    بعد دقائق قليلة عاد ( آرثر ) ، أعطى ( روز ماري ) هاتفها و هو يوضح سبب اتصال السيدة

    - كانت تتساءل أينَ نحن ، لأجل الاحتفال ..

    قالت ( روز ) متذكرة

    - آه !.. لقد نسيتُ أمر الحفل .
    - لا تحملي هماً ، قد وضحت لها الأمر .

    قالت و هي تنظر إلى هاتفها بهدوء

    - جيد .

    نظر إليها ( آرثر ) صامتاً ، ثم قال

    - يجب أن آخذكِ إلى منزلكِ الآن .

    تجمعت الدموع في عينيها اللتينِ لم تبعدهما عن هاتفها .. و أصدرت زفرةً عميقةً من جوفها المحترق ..

    أمسكَ ( آرثر ) بيدها و قال مهوناً عليها الأمر

    - يجب أن تذهبي و تخبري السيدة ( كاثي ) و ( صوفي ) بالأمر ، سأكون بجانبك .. لا تخافي .

    التفتت إليه و قالت باكية

    - ماذا أقول لهما ؟.. لا أستطيع أن أزف لهما خبراً كهذا .. لا أقوى !..
    - سأفعل أنا ذلك نيابةً عنكِ إذاً .. حسناً ؟

    هزت رأسها موافقةً على رأيه ، فقال لها

    - حسناً .. نامي قليلاً الآن .. هيا .

    مسحت دموعها و اسندت رأسها المثقل بعظم المصيبة ، لكنها لم تستطع أن تغمض عينيها .. صورة ( جودي ) تحضرها كل حين ..
    ( جودي ) التي ماتت و هي غاضبةً منها ، التي ماتت باكية و مخذولة منها و من ( آرثر ) ، ( جودي ) التي ماتت حزينة و خاسرة رغم كل محاولاتها ..

    غادرت ( جودي ) ، و ظلت ( روز ماري ) تحمل هماً ثقيلاً .. كيف تواجه والدتها و شقيقتها ( صوفي ) به ؟!..


    =========

    توقفت سيارة ( آرثر ) بالقرب من منزل السيدة ( كاثي ) ، فتسارعت نبضات ( روز ) و هي تنظر إلى المنزل ، تسللت البرودة إلى أطرافها .. فضمت يديها و نظرت إلى ( آرثر ) بعينينٍ خائفتين .

    نظر إليها ( آرثر ) و قال محاولاً إبعاد التوتر عنها

    - إن لم ترغبي بالنزول معي فانتظري هنا .. حتى أخبرهما بالأمر .

    استحسنت ( روز ماري ) الفكرة ، و قالت بعد أن أخذت نفساً بددَ خوفها قليلاً

    - حسناً .. لكن رجاءً ، لا تفاجئهما ..
    - سأحاول ..

    قال ذلك ثم غادر السيارة ، و ظلت ( روز ماري ) تراقبه بعينينٍ مغرقتين ..

    وصل ( آرثر ) عندَ الباب ، فرنّ الجرس .. و طرقَ الباب .

    كانت السيدة ( كاثي ) في المطبخ ، فصاحت على ( صوفي ) حينَ سمعت صوت الجرس

    - ( صوفي ) ؟.. انظري من بالبابِ يا عزيزتي .

    قالت ( صوفي ) و هي تقف

    - ذاهبة لأرى يا أمي ..

    و ذهبت عند الباب ، فتحته .. و اتسعت عيناها دهشةً من رؤيةِ ( آرثر ) ..
    قال ( آرثر ) بعد لحظات

    - كيفَ حالكِ يا ( صوفي ) ؟

    عقدت ( صوفي ) حاجبيها و قالت باغتضاب

    - كيفَ جئت ؟!.. ما هذه الجرءة التي تحملها حتى جاءت بكَ إلى هنا يا ( آرثر ) !؟..

    صمتَ ( آرثر ) ، و لم ينزعج من قولها .. بل تفهمَ ذلك ..
    سألت ( صوفي )

    - ماذا تريد ؟
    - أينَ السيدة ( كاثي ) ؟
    - إنها بالداخل .
    - ليتكِ تطلبينَ منها المجيء إلي ، أريد رؤيتها .

    صمتت تنظر إليه بعينينٍ متسائلتين ، ثم قالت

    - يمكنكَ أن تتفضل .

    و افسحت له الطريق ، لكنه امتنعَ الدخولَ قائلاً

    - إني مستعجل ، سأنتظرها هنا .

    لم ترغمه على الدخول ، لكنها شعرت بالارتياب .. فدلفت إلى الداخل ، و التقت بها والدتها عندَ غرفة المعيشة و سألتها

    - من بالباب ؟

    قالت ( صوفي ) و هي تنظر في عيني والدتها بقلق

    - إنه ( آرثر ) ، يريد رؤيتك .

    عقدت السيدة حاجبيها في دهشة ، و قالت بانزعاج

    - ( آرثر ) ؟!.. و ماعنده ؟
    - لا أعرف يا أمي ، لكن بدى لي أنّ الأمر ضروري .

    صمتت السيدة ( كاثي ) مفكرة ، ثم قالت

    - سأرى ما عنده .

    ذهبت عند الباب ، و حينَ أقبلت على ( آرثر ) قالت بهدوء

    - طلبت رؤيتي !.. ماذا تريد ؟
    - كيفَ حالكِ سيدتي ؟

    قالت السيدة متعجبة

    - أوَ تسألني عن حالي يا ( آرثر ) ؟!.. ألستَ تعرفُ كم أرقتني بفعلكَ الشنيع بابنتي ؟!

    قال ( آرثر ) و هو ينزل نظره

    - أنا آسف .. لكن ..

    قاطعته السيدة ( كاثي ) بانفعال

    - و والدتكَ لم تكتفي بما فَعلْتَه !.. جاءت لتُطيحَ بآخرِ قواي !.. ألا تخجلون ؟؟

    رفعَ بصره إليها و قال

    - لستُ هنا لأتحدثَ عن كل هذا يا سيدة ( كاثي ) ، لدي ما هو مهم .. اسمعيني رجاءً .

    صمتت لبرهة ، ثم قالت و هي لا تزال منفعلة

    - أنا أسمعك .

    صمتَ قليلاً ليفكرَ كيفَ يبدأ بالأمر .. ثم قال

    - ( روز ماري ) معي ، هي لا تزال جالسةً في السيارة ..

    و التفتَ حيث سيارته .
    أطلت السيدة ( كاثي ) فرأت ( روز ماري ) التي كانت تنظر نحوها من خلال زجاج النافذة ..

    نظرت السيدة لـ ( آرثر ) من جديد و هي تتساءل

    - ماذا هناك ؟.. لا أستطيع الفهم !.. هل حل شيءٌ بـ ( روز ) ؟
    - لا .. لكن .. قد حل شيءٌ بـ ( جودي ) .

    شعرت السيدة ( كاثي ) بقلبها ينقبض .. فعادت النظر إلى السيارة ، ( جودي ) لم تكن هناك .!

    نظرت من جديدٍ إلى عيني ( آرثر ) و سألت و هي ترتعد

    - ماذا أصاب ( جودي ) ؟.. أينَ هي ؟

    صمتَ قليلاً و أنزل رأسه ، ثم قال بنبرةٍ حزينة

    - لقد تعرضت ( جودي ) لحادثٍ ، و ماتت .

    ظلت تنظر السيدة في وجه ( آرثر ) بعينينٍ مشدوهتين .. ثم أدمعت عينيها و هي تقول بألم

    - ابنتي ..

    و صرخت باكية بصوتٍ أعلى

    - ابنتي ( جودي ) ..

    خرت قواها .. فجلست على عتبة الباب تبكي بكاءً شديداً ..

    نظرَ ( آرثر ) خلف السيدة ( كاثي ) ، فإذا بـ ( صوفي ) واقفةً تضع يديها على فمها من هول الصدمة ، و عينيها تسكبان الدمع بغزارة

    التفتَ نحو ( روز ) ، التي كانت تنظر إلى والدتها و تبكي ..
    حين استدار إليها ( آرثر ) ، خرجت من السيارة و ذهبت مهرولةً إلى والدتها .

    جلست عندها و ضمتها ، قالت السيدة ( كاثي ) لـ ( روز ) و هي تبكي

    - ماتت ( جودي ) يا ( روز ) ، ماتت حبيبتي ..

    اقتربت منهما ( صوفي ) و جلست عندها ، و قالت

    - انهضا أرجوكما .. انهضي يا أمي ..

    حينها غادرهم ( آرثر ) ، و دخل الجميع إلى المنزل بالنحيب و العويل .. قد انطفأت شمعة ( جودي ) و ها هن ينصبن العزاء و الرثاء لفقدها .

    ==========

    في صباح اليوم التالي .. فتحت ( روز ماري ) عينيها على صوت بكاء شقيقتها ( صوفي ) ، التفتت نحوها .. فوجدتها جالسةً قبالة سرير توأمها الراحلة ( جودي ) .. تضع وجهها في كفيها و تبكي .

    نهضت ( روز ) و مشت عند ( صوفي ) ، جلست بجانبها و احتضنتها قائلة

    - عزيزتي ، كفي عن البكاء أرجوكِ .

    قالت ( صوفي ) و هي تجهش باكية

    - لقد رحلت شقيقتي ( جودي ) ، رحلت توأمي .. رفيقةَ عمري .. لقد فقدتُ جزءً مني يا ( روز ) .
    - أفهم ذلك ، لكن أرجوكِ اهدئي ..

    مسحت دموعها و قالت و هي تنظر في وجه ( روز ) برجاء

    - أريد رؤيتها قبل أن تدفن !.. أريد معانقتها قبلَ أنْ تكونَ تحتَ الثرى .. أريد الاكتفاء قليلاً منها ..
    - سيمكنكِ ذلك .. سترينها و تعانقيها و تقبلينها أيضاً .

    فجأةً سمعت الفتاتين صوتَ بكاءٍ قادمٍ من الأسفل ..
    وقفت ( روز ) فزعةً قائلة

    - أمي !

    و تحركت بسرعةٍ لتغادر الغرفة و تنزل حيث والدتها ..
    تبعتها ( صوفي ) و قد كفت عن ذرف الدموع ، فقد أثارها صوت البكاء .. كان شديداً ، لم يكن هذا الصوت لوالدتها فقط !

    حينَ نزلت الفتاتين ، وجدتا والدتهما و السيدة ( جوان ) و ( إيميلي ) .

    كانت السيدة ( جوان ) تبكي معانقةً السيدة ( كاثي ) التي ثارت بالبكاء و النحيب .

    وقفت الفتاتين تنظران .. بينما اقتربت منهما ( إيميلي ) و الدموع قد انحدرت على وجنتيها .
    عانقت ( صوفي ) التي انفجرت بالبكاء هي الأخرى .. و بعد دقيقةٍ عانقت ( روز ) التي ذرفت دموعها بصمت ..

    و بعدَ أن كفتا البكاء ، قالت ( إيميلي ) لـ ( روز )

    - إن ( آرثر ) يريد رؤيتكِ يا ( روز ) .

    حدقت ( روز ماري ) في ( إيميلي ) متفاجئة ، ثم نظرت إلى ( صوفي ) التي بادلتها النظرات .. بعد ذلك قالت و هي تنظر إلى ( إيميلي ) متسائلة

    - أينَ هو ؟
    - في الخارج .
    - حسناً .

    و مشت إلى الخارج ، فتحت باب المنزل فوجدت ( آرثر ) .
    نظرَ إليها ( آرثر ) و قال

    - ( روز ) !..
    - أهلاً ( آرثر )

    تأمل ( آرثر ) ملامحَ ( روز ) .
    كان الإرهاق بادٍ على وجه ( روز ماري ) المصفرّ الشاحب .. عيناها ذابلتان ، و وجهها هزيل !
    قال ( آرثر ) متألماً على حالها

    - تبدينَ متعبةً جداً !

    صمتت قليلاً ، ثم قالت بهدوء

    - فَقْدُ ( جودي ) كان صعباً ، و حال أمي و ( صوفي ) يمزق القلب ..

    انكس ( آرثر ) رأسه و قال بصوتٍ حزين

    - آسف .. ربما كنت أنا السبب فيما حدث .

    اتسعت عينا ( روز ) حينَ سمعت ذلك من ( آرثر ) ، بينما استطردَ قائلاً و هو ينظر بعيداً

    - فكرتُ كثيراً بما حدثَ ليلةَ البارحة ، لو لم أصفعها .. لو لم أصرخ في وجهها و أنزل عليها غضبي .. ما كان ذلكَ قد حدث .

    قالت ( روز ماري ) متعاطفةً مع ( آرثر )

    - لا تُحمّل نفسكَ ذنباً لم ترتكبه ، هي غادرت بذاتها و اندفعت في الشارع ، لم تدفع بها أنت !

    نظرَ إليها و قال بذاتِ النبرةِ الحزينة

    - لقد أثارتني .. حتى آخر لحظةٍ كانت تسعى لأن تحول بيني و بينكِ رغمَ انفصالنا ..

    لزمت ( روز ماري ) الصمت و هي تنظر إليه .. فأضافَ و الحزن ظهرَ على وجهه

    - فهمتُ أخيراً .. أنّي ظلمتكِ كثيراً ..

    صمتت ( روز ماري ) و انزلت عينيها ، شعرت بالدموع تقتحم مآقيها ..
    تأخرَ ( آرثر ) كثيراً في فهم ذلك ، لكن من الجيد أنه قد فهم ، على الأقل هو يعترف بذنبه .

    رفعت عينيها نحوه حينما سمعته يقول

    - أراكِ عندَ مراسيم الدفن ، كوني بخير .

    لم تقل شيئاً .. لكن دموعها تساقطت من عينيها و هي تحدق فيه .
    استدار ( آرثر ) و غادر مبتعداً .. ظلت ( روز ) تحدق فيه .. و تتساءل ، ترى ماذا حصلَ بينه و بينَ ( جودي ) بالأمس ؟..

    تنهدت بحرقةٍ و همست

    - آهٍ يا ( جودي ) .. قد أضعتينا و رحلتي ..

    ========

    بعد مضي ثلاثة أيامٍ من وفاة ( جودي ) ، سكنَ البكاء و النحيب .. إنما غمامة الحزن لم تنجلي .. ما زال يسود منزل السيدة ( كاثي ) الحزن و الكآبة .

    قبيلَ الغروب .. كانت ( صوفي ) تمشي بهدوءٍ شديدٍ في المقبرة ، و هي تحمل في يدها وردة حمراء .. تتجه إلى قبر شقيقتها ( جودي ) و ألم فقدها يعتصرها .

    حينَ اقتربت من قبرِ ( جودي ) ، توقفت .
    كان هناك شخصٌ يقف عند قبر ( جودي ) .. و تساءلت من ذاك الذي يقف على قبر شقيقتها ؟

    اقتربت و علامات التساؤل باديةً على وجهها .
    حينَ أحسَ الشاب بخطوات ( صوفي ) .. التفتَ إليها ، فتوقفت ( صوفي ) متفاجئة .. و قالت

    - ( بيتر ) !..

    استدار إليها و ألقى التحية

    - مرحباً ( صوفي )

    اقتربت منه و هي تجيبه

    - مرحباً بك ..
    - آسفٌ لما حدث .. لم أستطع حضورَ الدفنِ لأني كنت منشغلاً .. فجئتُ لزيارةِ ( جودي ) .

    لم تعقب ( صوفي ) .. بل جلست عندَ قبر شقيقتها و وضعت الوردة على ثراه .
    سألَ ( بيتر )

    - كيفَ حال السيدة ( كاثي ) .

    وقفت ( صوفي ) و نظرت إليه قائلة بهدوء

    - أفضل حالاً من الأمس .. على الأقل توقفت عن البكاء و التحسُّر .

    عقد ( بيتر ) حاجبيه و تساءل

    - تتحسرُ على ماذا ؟!
    - على شدتها مع ( جودي ) في الأيام الأخيرة .

    صمتَ ( بيتر ) برهةً .. ثمّ سألَ و قد هدأ صوته

    - ماذا عن ( روز ) ؟.. كيفَ حالها ؟
    - جيدة .

    و نظرت من جديدٍ إلى قبر شقيقتها .
    فكّر ( بيتر ) ، ثم قال بصوتٍ هادئ

    - هل ستغفر ( روز ) لـ ( جودي ) ؟!

    فاجأها سؤال ( بيتر ) ، فالتفتت إليه بعينينٍ واسعتين .. بينما أردفَ ( بيتر ) و هو يحدق في قبر ( جودي )

    - لقد أفسدت ( جودي ) حياة ( روز ) ، تحايلت كثيراً حتى استاطعت أن تحقق مبتغاها .

    في هذه الأثناء ، كان ( آرثر ) مقبلاً نحو قبر ( جودي ) ، و لكنه توقفَ حينَ رأى ( بيتر ) ..

    تناهى إلى مسامعه سؤال ( صوفي )

    - كنتَ شريكاً معَها ، أليسَ كذلك ؟

    أجاب بعد صمتٍ قصير ..

    - ليسَ منَ البداية .. قد تلقيتُ الرسالةَ من هاتف ( روز ماري ) دونَ أنْ أدركَ أنها لعبةٌ من ( جودي ) ، لذلكَ كنتُ واثقاً أنها ( روز ) من أرسلت إلي .. حتى واجهتني ( روز ماري ) و نفت أنها المرسلة .. و اعترفت لي ( جودي ) بعدها أنها هي من أرسلتها ، كانت قد دبرت لقائي بـ ( آرثر ) ، استغلتني حتى تفسدَ ما بينَ ( روزي ) و ذاك الشاب .

    تجمدَ ( آرثر ) في مكانه و هو يصغي لحديثِ ( بيتر ) ، و أفلتت يده باقةَ الوردِ الأبيض التي جاء بها لـ ( جودي ) .. فما سمعه أفقده الإدراك للحظات ..

    قالت ( صوفي ) بانزعاجٍ و هي تحدق في عيني ( بيتر )

    - معَ ذلكَ لزمتَ الصمت و لم تعترف يا ( بيتر ) ، لم تفصح لنا عن حقيقةِ الأمر .. بل راقت لكَ خططَ ( جودي ) و استمريتَ في التحايل و الخديعة معها !

    قال ( بيتر ) و قد علت نبرة صوته

    - كان هدفنا مشتركاً ، كلانا سيحصل على فرصةٍ للاقتراب ممن يحب !.. لذلكَ تعاونت معها ، لقد أذنبتُ حقاً و أنا نادمٌ على ذلك .. لأنه اتضحَ لي أنّ ( روز ) لا ترغب بي مهما حدث .

    ثم أضاف بأسف

    - أتمنى أن تسامحني أنا أيضاً .. فكم من كذبةٍ كذبتها ..

    جاءهُ صوت ( آرثر ) قائلاً بغضب

    - إن سامحتكَ ( روز ) فأنا لن أسامحكَ أبداً !

    ألتفتَ ( بيتر ) ناحية الصوت ، و كذلكَ ( صوفي ) التي اتسعت عيناها الزرقاوتين و قالت بقلبٍ مقبوض

    - ( آرثر ) !؟.

    أقتربَ ( آرثر ) مسرعاً و دفعَ ( صوفي ) من أمامه ليعبر لـ ( بيتر ) ، و وجّه لكمةً مباشرة إلى وجهِ ( بيتر ) .
    شهقت ( صوفي ) و نادت بفزع

    - آه !.. ( آرثر ) ماذا تفعل ؟!

    تراجع ( بيتر ) و هو يضع يده على وجهه متألماً .
    أقتربَ ( آرثر ) منه و شدّه من ياقته و قال صارخاً

    - لقد أفسدتَ حياتي !.. أتعرف ذلكَ أيها الدنيء ؟!
    -
    - و وجه لكمةً أخرى لـ ( بيتر ) ، و كذلكَ ثالثة !

    أمسكت ( صوفي ) بـ ( آرثر ) و الذعر يملؤها و هي تتوسل إليه

    - أتركه يا ( آرثر ) ، أرجوك !

    قال ( آرثر ) و هو ينظر لـ ( بيتر ) و الشرر يتطاير من عينيه

    - هل تعرف كم عانينا بسببك ؟!.. كم تألمنا و تأرقنا ؟.. أنا لن أغفرَ لكَ و لا لـ ( جودي ) إن لم تقبل بي ( روز ماري ) ثانيةً !

    لم ينطق ( بيتر ) بكلمةٍ واحدة ، كان يضع يده عند أنفه الذي بدأ بالنزف .

    اشتدّ قلق ( صوفي ) على ( بيتر ) ، فقالت و هي تشد على ذراع ( آرثر )

    - دعه يا ( آرثر ) ، أتوسل إليك !

    دفعه ( آرثر ) و هو يقول

    - أغرب الآن .. أغرب عن وجهي !

    ابتعد ( بيتر ) و هو يلهث ..
    قالت ( صوفي ) بانفعال

    - ماذا فعلت ؟.. لقد أدميته !

    ألتقطَ ( آرثر ) أنفاسه ، ثم قال

    - قتله لن يكونَ كافياً يا ( صوفي ) ، لقد دمرني أتفهمين ؟!

    قالت ( صوفي ) و هي تعقد حاجبيها

    - قد جئتُ إليكَ بذاتي و أخبرتكَ عن حقيقةِ الرسالة ، لكنكَ كذبتني !.. كلكم مذنبون ، و الضحيةُ الوحيدة هي ( روز ماري ) .

    حدق في عينيها الغاضبتين ، ثم تنهدَ و لزم الصمت .. نظرَ إلى الساعةِ على معصمه ، كان الغروب قد حل .. و يجب عليه الآن الذهاب إلى المدرسةِ الداخلية للعودةِ للعمل .

    قالت ( صوفي )

    - أنا ذاهبة الآن ..

    قاطعها قائلاً بعجل

    - أينَ ( روز ) ؟
    - في المنزل !
    - سآتي معكِ إذاً .. هيا بنا .
    =========

    عندَ باب منزل السيدة ( كاثي ) ، وقفت ( صوفي ) و ( آرثر ) .. الذي قال لها

    - حينَ تدخلينَ استدعي ( روز ماري ) .

    نظرت إليه قاطبةً و قالت

    - سأناديها ، و لكن ثق أن قلبَ ( روز ) متحاملٌ عليكَ كثيراً .. ربما لن تسامحكَ على ما فعلته بسهولة .

    ازدردَ ريقه و قال محرجاً

    - مع ذلكَ لابدّ لي من المحاولة .. لابدّ أن تغفرَ لي ، أحبها يا ( صوفي ) صدقيني ! .. لن أقبلَ إلا أن نعودَ حبيبين كما كنا .

    تنهدت ( صوفي ) ، ثم فتحت الباب و دخلت إلى الداخل .

    كانت ( روز ماري ) في المطبخ تساعد والدتها على تحضير طعام العشاء ، دخلت عليهما ( صوفي ) و ألقت التحية .. فأجابت السيدة و ( روز ) ، ثم قالت ( روز ) تخاطب ( صوفي )

    - لقد غَرُبتْ الشمس و حل المساء ، و كأنكِ تأخرتي ؟!

    هزت ( صوفي ) رأسها بالإيجاب ، و قالت موضحةً السبب

    - كنتُ قد رأيت ( بيتر ) هناك ، فتبادلنا الحديث .
    - اها !

    ثم مشت ( صوفي ) مقتربةً من ( روز ماري ) و قالت بهدوء

    - ( آرثر ) في الخارج ، يريد الحديث معكِ .

    التفتت السيدة ( كاثي ) إليهما حينَ سمعت اسم ( آرثر ) ، فشعرت ( روز ماري ) بالتردد .. نظرت إلى ( صوفي ) بصمتٍ و حيرة ..

    قالت السيدة ( كاثي )

    - انظري ماذا يريد ، لقد وقفَ طويلاً على الباب .. أدخليه إلى المجلس .

    قالت ( روز ) طائعةً

    - حسناً .

    و مشت بسرعةٍ إلى الخارج و التساؤلات تغزو رأسها ، ماذا يريد ( آرثر ) الآن ؟!

    رأته عند الباب ، و حين وقعت عينيه على ( روز ماري ) اعتدل في وقفته و قال بقلبٍ يخفق

    - ( روز ) !
    - ما الأمر يا ( آرثر ) ؟.. ثم لما تقفُ خارجاً ، تفضل .
    - لا داعي لذلك ..

    قالت ( روز ) بإلحاح

    - تعال إلى حديقة المنزل إذاً ، هيا !

    افسحت له و دخل إلى الداخل ، و وقف ينتظرها .
    أغلقت هي الباب و قالت له و هي تشير على المقعد

    - تفضل أرجوك .
    - أنا مستعجل ، سأذهب إلى عملي الآن .. لكن ..

    صمتت تنظر إلى عينيه باهتمام ، فقال بهدوء

    - أتذكر جيداً ما حدثَ هنا .. كيفَ أسأت إليكِ ، و أقسمتي أن لا تغفري ..

    أبعدت ( روز ) عينيها الخضراوتين عنه .. و شعرت بدقات قلبها تسرع ارتباكاً ، كم كانت تلكَ الليلةُ قاسيةً عليها ..

    تابع ( آرثر )

    - أعرفُ أني أخطأت ، و أذنبت بحقك .. لكنّ الغيرةَ قد أعمت بصيرتي .. و ( جودي ) و ( بيتر ) قد أحسنا خداعي .. لكني تيقنت الآن من تسرعي و براءتك .. و جئت معتذراً نادماً إليكِ ، قد أصغيت لحديثِ ( بيتر ) مع ( صوفي ) منذ قليل ، و قد اعترفَ بكذباته و خداعه هو و ( جودي ) ..

    صمتَ برهةً و قال و هو ينكس رأسه

    - أحسست بداخلي يحترق ، لقد استغفلاني و كنتُ .. كنتُ أحمقاً لأني لم أثق بك .

    أعادت ( روز ) عينيها إليه ، و رفعَ ( آرثر ) رأسه إليها .. و التقت عيناهما .. فقال برجاءٍ و انكسار

    - سامحيني .

    بعدَ صمتٍ ، قالت ( روز ) بهدوء

    - سامحتك ..

    اتسعت عينا ( آرثر ) دهشة ، لم يكن يتصور أنّ ( روز ماري ) ستسامحه بهذه السهولة ! ، كان يعتقد أن الأمر سيكلفه العناء .

    ابتسم بسعادةٍ ثم قال

    - شاكرٌ لكِ .

    صمتت و لم تقل شيئاً .. فقال بارتياح

    - أريد الذهاب إلى عملي و قلبي مطمئن ، أتمنى أنْ .. أنْ نعودَ لبعضنا .

    قالت و قد احتدت نبرة صوتها

    - ذلك مستحيل .

    علت تعابير الخيبة وجهه ، و قال

    - أرجوكِ ( روز ) ..
    - لا يا ( آرثر ) ، وفاة ( جودي ) .. جعلنا في موقفٍ واحدٍ صعب .. لذلكَ ساعدني على مسامحتك .. لكنني لا أستطيع النسيان ، و الجرح بقلبي لا أعتقد أنه سيتلاشى .. لقد تركتَ وصمةً في قلبي من ناحيتك !.. لا أستطيعُ المسحَ بكرامتي و الارتباط بكَ من جديد .

    استمع إليها بكل حواسه ، حتى شعرَ أنه يحترق ، ربما هي محقة .. لقد أهانها كثيراً ذات ليلة ، ألا يكفي أنها عفت عنه ؟!

    لا .. لا يكفي ..

    أمسكَ بيديها ، لكنها سحبت يديها من كفيه و قالت بحزم

    - أرجوك ، انتهى الحديثُ الآن .

    تنهدَ و القهر يحطم قلبه ، ثم قال

    - حسناً ، لكن لنا حديثٌ آخر .. سأمنحكِ وقتاً ، حينها فكري بي ، و بقلبي الذي أحبكِ باخلاص .. فأنا لم استطع رغم انفصالي عنكِ أن اتخلى عن عشقك .. أتمنى أن تمنحيني قلبكِ يوماً ما من جديد .. و أنا سأكون منتظراً إياكي ، سأعود ..

    تجمعت الدموع في أحداقها و هي تنظر في عينيهِ الصادقتين .. فابتسم و تابع في همس

    - أتمنى حينها أن لا تكسري قلبي .. فقد كُسِرَ مخذولاً مني ، و لن يقوى على خذلانٍ آخرَ منكِ .. فلن يضركِ أن تهبيه السعادة ، و هو سيكون واثقاً بكِ و وفياً طولَ العمر .
    -
    - انحدرت دموعها على وجنتيها .. و لزمت الصمت ، فاستدار بصمتٍ و غادر .
    -
    أخذت نفساً عميقاً و أطلقت تنهيدة طويلة ، ثم رفعت رأسها إلى السماء و قالت في داخلها

    - كخيالٍ جميل ، تبدو يا ( آرثر ) .. لكنكَ خلفتَ واقعاً مريراً أجهشني و هشمَ قلبي .. أنْ أتغاضى عما فعلت ، و العودة إليكَ بندبةٍ في القلب أمرٌ صعب .. كيفَ أحتوكِ بقلبٍ مثقوب !.. لكن ربما .. ربما يوماً ما ..
     

الاعضاء الذين يشاهدون محتوى الموضوع(عضو: 0, زائر: 0)