رواية - مات وبجانبه مغلف

الموضوع في 'روايات' بواسطة انسان بسيط, بتاريخ ‏11 سبتمبر 2018.

  1. انسان بسيط

    انسان بسيط عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2016
    المشاركات:
    40
    الإعجابات المتلقاة:
    71
    نقاط الجائزة:
    210
    الجنس:
    ذكر
    مات وبجانبه مغلف
    (الجـــــزء الأول)



    على ذلك القطار وفي أحدى مقطوراته كان ياسر ميتا وحيدا وبجانبه مغلف مليئً بالورق .. مليئً بالحزن .. مليئً بالذنوب .. مليئً بالآثــام .. مليئً بالشكوى .. مليئً بما جرى .. مليئً بالصراخ .. مليئً بعدة اسئلة , مغلف كان بداخله الكثير من الأشياء .. الكثير من الورق .. ورقٌ يحمل حكاياتُ اُنــاس عاشوا وأناس ماتوا .. أنــاس عشقوا وأجرموا .. أناس كالبقية من الناس عاشوا في مجتمعاتهم وعلى تقاليدهم وقيمهم ومبادئهم ولكنهم أختلفوا عنهم في اشياء عدة .. أختلفوا في القلوب .. أختلفوا بمجريات الظروف .. أختلفوا في الحب والوداع .. في الشتات والثبات .. في الأبداع والهــوس .. في الأدمان والضياع .

    مغلف لم يقرأه بعد أحد , كان بجانب جثته التي لا يدري أحد ما حكايتهـا ؟ ولما مات هكذا ؟ ولما مات وحيدا ؟ ولما على هذا القطار ؟
    أوراق المغلف كانت الجواب لكل هذه الأسئلة , فهي ملئية بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة .. مليئة بالنهايات والبدايات .. ملئية بالنفوس المريضة .. مليئة بالصرخات .. مليئة بالأوجاع والآهات .. مليئة بإلغــازً ومعادلاتً لا حل لـها .. ولا جذر فيها .. ولا تقسم على أي الأعداد .. ولا تُضرب ولا تُطرح .

    قــصصُ بشرٌ مثلنا نحن ..عايشوها وعاشوها في حياتهم التي لم يسمع عنها أحدا أي شيء من قبل , كان المغلف هو الأثبات .. أثبات على كل الأحداث وكيف حصلت ؟ وكيف كانت المجريــات ؟ وكيف رمت بهـم الأقدار ؟

    صفحات قد طويت وفيها الكثير من الأشقياء والسعداء .. من الأموات الأحياء .. فيها الكثير من المشاعر لا الشعور .. أحاسيسً كانت مخبئة خلف دروعً لا قلوب .. بداخل المغلف ذاك صياحاتٌ لم يسمعُهــا أحد .. كلماتٌ لم تُفهم .. فيها الكثير من الأماني والأحلام .

    داخل المغلف أناسٌ عالمهم كان مظلم وكل من فيه تائهون يبحثون عن من يبيعهم الأمــل الذي فقدوه .. أناس يبحثون عن من يخفف الآمهم .. أناس أصطدموا بالوهم ولاحقوا السراب في كل أرض لعل ذلك السراب يوصلهم إلى أرض غير أرضهم .

    في صفحات المغلف حياة خلدتها الأقلام وبكتها الأحبار .. بداخلها قلوب أقسى من الحجر وأكثر صلابة من الصخر وأكثر عمــق من البحار .. كانت فيها نفوسً مريضة معدومة الغيرة .. فيها من باعوا الغالي بالرخيص .. ومن أشتروا الموت بسعر التراب .. عن مجتمع لا يدري أين النور ولا يدري عن بصيص الأمــل , كانوا منحرفين جُهــال .. طريقهم مخيف مظلم .

    رواية بجانب صاحبها الذي رحل مغمض العينين وهو ينظر إليها .. ينظر لمن فيها .. ينظر لعالم عاش فيه وسمعه ورآه وعاصره , رواية كتبهــا قبل ساعات قليلة من موته .. رواية ابتدأ أحداثهــا من النهاية حتى الوسط .. رواية عاش فيها مشرد .. وثم كتب فيها كيف أستقر .. وكيف أدمــن .. وكيف بــاع الآخرين وهم .. وكيف عشق .. وكيف أنتهــى به الأمر في قطــار .

    رواية حكى فيها وحكى .. حكى فيها كيف كتب .. وكيف أمسك بالقلم .. وكيف جلد الورق وهل قرأ الآخرين ما كتب , رواية كان هو فيها شخصين لا شخص .. شخصين في عالمً واحد ولكنهم يختلفون عن بعض .. كانا ضدً وند .. أحدهما مدمنٌ والآخر مبدع .. أحدهم يبحث عن أحد والآخــر منعزلٌ عن الجميع .. شخصين كانــا على النقيض تماماً.. أحدهما يضحك والآخر يبكي طوال الليل .. أحدهما يحلم بالوصول للقمة والآخر أكتفى بالقاع .. أحدهما يهرب من الضجة والآخر ملأ عالمه بالضجيج .. أحدهما شَــره والآخر يزهدُ في أكل تمــرة .
    رواية كان فيها من يعيشون بأجساد وقلوبهم مثل الجميع وفكرهم ليس ببعيد عن غيرهم ولكنهم أختلفوا في كل شيء .. في النظرة والفكرة .. في السؤال والجواب .. في ماذا ولماذا؟ أناسً اختبأوا خلف اشياء وأظهروا اشياء .. لبدوا الألــم وأظهروأ العكس .. خبأوا الرقة وبرعونة تصرفوا .. خبأوا الطفولة وبدى عليهم الكبر .. خبأوا حبً بداخلهم وكأنهم لا يبالون .. خبأوا وحشةً رأوا فيها النور .. عاشوا كل هذا في عالــمهم وكتبه هو في المغلف .

    رواية من كتبها كان تحت نشوة مخدر .. كان في حالة هوس .. كتبها بعد حقنة .. كتبها على نغمات اللحن .. كتبها بعد مجموعة كتابات .. كتبها بعدما أكتفى .. بعدما أكتوى .. بعدما قرر فراق الحياة وتركُ ذكرى , رواية كلها صيحات .. كلها ألعاب أعصاب .. كلها دموع لم تظهر لأحد .. كلها عتب وشجــن وموال .. رواية يلعن فيها نفسه قبل غيره .. يفضح قلبه ويشتم عقله وفكره .. تبرأ فيها من القلم ومما تعاطــاه .. يضع أعذار ويتملص من آثام .. رواية متناقضة .. رواية كتبت بليل .. كتبها يشتكي الويــل .. كتبهـا متحير فيما ولما .. وكيف الخلاص وإلى أيــن ؟

    حكاياتٌ لم يعرف أي العناويــن يختار لهــا .. وأحتار في ختامهــا .. وماذا يصنع في أبطالـها ؟ هل يقتلهم جميعا أم ينقذ بعضهم ؟ يبكيهم أم يضحك على آلامهم ؟ يتركهم لمصيرهم أم يكتب أقدارهم ؟ يودعهم أم يكتفي بالنظر ؟ يفرح لهم أم يسخر منهم ؟ يجلعهم ناجحون أم في نظره فاشلون ؟ يعدهم بالنعيم أم يرميهم في الجحيم ؟ يوصلهم إلى القمة أم ينزلهم القاع ؟ يضع حدا لنهايتهم أم يسمح لهم أن يكملون الطريق ؟

    (هذا هو عالمــي , وفي عالمي يجب أن تكون قذرً)!
    هكذا كتب ياسر على وجه المغلف .. هكذا أختار لها عنوان .. هكذا ختم الكلمات .. وهكذا أنهى القصة .. وهكذا طوى الصفحات وأختصر أوجاع الورق .. وهكذا رفع القلم وأعترف بالألــم .. وهكذا فضل أن يودع الحياة بتلك الرواية .. رحل وتركها للعالم خلفه .. ليقرؤن الضجيج ويسمعون صداه .. يقرؤن كيف عاش يصارعُ مصارع الدنيا التي صفعته باليمين واليسار .. يسمعون ذلك الوسواس الذي همس له مرات ومرات .. كيف خدع وكيف خُــدع ؟ كيف ضحك عليه إبليس وأخضعه؟ وكيف ظن بأن الحياة مع المخدر أكثر متعة؟ وكيف توهم أحلام لم يحلم بهــا؟ كيف أصبح كاتبا وأديب رغم كل هذا العبث الذي أزعجه؟ كيف كتب النثر وسرد القصة؟ كيف عشق من نظرة؟ كيف رتب كل هذه الفوضى؟ كيف بدأ وكيف أنتهى به الأمر جثة؟ فــ كيف وكيف وكيف ؟

    فمن ياسر هذا , ومن يكون ؟ وما حكايته .؟ ولما كل هذه التناقضات في حياته ؟ وكيف عاشر هؤلاء وهو منعزل ؟ كيف يكون مبدع وفي ذات الوقت مــدمن ؟ كيف شخصين وهو شخص ؟ وهل كان لديه جمهور ؟ هل كان مشهور ؟ من أحب ؟ ومما تـــألم ؟ وفي أي المجتمعات عاش ؟ وأي الألــحان أطربته ؟ وبأي الأقلام كتب ؟ وبأيهما خلد الذكريات ؟ وفي أي صفحة صرخ ؟ هل بكــى أم أبكى ؟ هل صاح أم صاحوا عليه ؟ جرحهم أم مزقوه جروح ؟ ودعهم أم لوح بيديه ورحل ؟ أين أسرته أين نــاسه ؟ هل أشتكى لـهم أم شكوه ؟ أين أمه أين أبيه ؟ أين رفاقه المتعاطون ؟ أين عنه الطيبون ؟ هل كان يصلي أو يصوم ؟ منطوي على نفسه أم مرميٌ في السجون ؟ هرب أم تلبد ؟ كاذب أم صادق فيما يقول ؟ هل شعر يوم بالسكينة أم كان مسكون ؟ هل جف منه الحبر أم تدفق ؟ نادى بعالِ صوته أم صمت ؟ عاقل كان أم مجنون ؟ جارت عليه الأقدار أم قهرته الظروف ؟ كان مستمتعا أم مجبور ؟ هل رأى بصيص نور أم طوال حياته مظلوم ؟ عاش على الأمل أم السراب خدعه ؟ توهم الواقع أم أيقن أنه كابوس ؟ سار في الدرب حتى النهاية أم طول الطريق أرعبه ؟ تقدم خطوة أم لم يحرك ساكنً ؟ هل بحث عن ناس أو عن أحد ؟ أكان يدري أم لا ؟ وجد الدواء أم أصابه الداء ؟ فمن ياسر هذا ؟ ومــن يكون ؟
    رواية - مات وبجانبه مغلف
     
    جاري تحميل الصفحة...
    أعجب بهذه المشاركة 'Smile
  2. انسان بسيط

    انسان بسيط عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2016
    المشاركات:
    40
    الإعجابات المتلقاة:
    71
    نقاط الجائزة:
    210
    الجنس:
    ذكر
    كان يعيش طفولته في منزل والديه سعيدا بين حضن أمه الحنون وأكتاف أبيه , كانت عائلته متوسطة الدخل ..فوالده يعمل مدرسٌ يربي أجيال ..ووالدته ككل الأمهات كانت وظيفتها تربيتهم في المنزل .. ولديه شقيقتان يكبرانه بسنوات , لم تحمل طفولته الكثير بل كبقية الصغار كان يمرح ويلعب ويبكي إذ لم يعطوه ما يريد فهو الأصغر سنا والصبي الوحيد في اسرته .

    أدخله أبيه في مدرسته التي يعمل بهــا .. كان متفوقا وذكيا جدا .. وكان يحصل على أعلى الدرجات في شهاداته ودائما من الأوائل والصفوف الأمامية مع الناجحين في المدرسة ومدينته التي ولد فيها , كان محبوبا من جميع اقرباءه وأهل حيه لبساطته وأبتسامته التي لا تفارق شفاهه طوال الوقت .. دمث الخلق سهل المعشر .. ليس كغيره ممن هم في عمره .

    مرت به الأيــام وأنتقل إلى المرحلة المتوسطة ومن هناك بدأت مشاكله تتزايد ودرجاته تنقص .. أصبح مهمــل لا يهتم للمدرسة كثيرا , رافق سيئين وأصدقاء سوء حتى صار منهم ويتصرف مثلهم ويتحدث على طريقتهم ويقلد أسلوبهم , كانوا يدخنون ويسمعون الطرب ويفتلعون مشاكل مع الجميع ويتشاجرون على توافه الأمور .

    ورغم مشاكل رفاقه الكثيرة ألا أنهم أصيبوا بالملل منها بعدما باتت هذه الأشياء صغيرة في نظرهم ولا متعة فيها , فبدأوا خطواتهم الأولى نحو الجرم الأكبر والسرقة ، فقاموا يسرقون بسيط الأشياء من المحال لمجرد التسلية والتحدي بينهما .

    ظل هكذا حتى بلغ سن الرشد وبدأت مشاكله تطفوا فوق السطح ما جعل الآخرين يبدؤن بلفت نظرهم إليه مما أوقعه في مشاحنات ومشاجرات كثيرة مع أبيه , فالكل راح يتكلم عنه .. فمن في المدرسة كانوا يشتكون لوالده مدى فوضويته واستهتاره وغيابه المتكرر وتدخينه في باحة المدرسة , كان أبيه يحاول معه باللين تارة وتارة بالضرب عقابا وتأديبا له , لكنه لم يزدد ألا عناد وأنحراف ولا مبالة .

    ذات ليلة مظلمة لم يضيئها القمر بنوره عاد ياسر إلى المنزل ثمــلً ورائحة الخمر تفوح منه , وحينما رآه والده أستشاط غضبا وحنقــا عليه وراح يسأله ويصيح فيه ويستفسر منه :
    - عمن أعطاه الخمر ؟ ومن أشتراه له ؟ ومن اين أحضره ؟ ومن شرب معه ؟

    ولكن الأبن لم يجبه بشيء فحالته الذهنية ليست مع أبيه بل في مكان آخر بعدما ذهب عقله ..بل وقام يضحك على أبيه ويسخر منه , شيئــا فشيئا خرج الأب عن عقــال حلمه غضبا وهو يرى أبنه أبن الخامسة عشر ربيعً يضيع من بين يديه وسط طريق مجهول .. طريق أوله نعيــم وآخره جحيم , فراح يصفعه باليمين واليسار .. يضربه بقهر .. يركله بوحشية وبلا أي شفقة أو ذرة رحمة .. يضربه ويضربه .. يضربه يريده أن يستفيق .. يصفعه لعله يصحى مما هو فيه .. يركله يريده أن يذيق الألــم الذي سببه له .. يضربه خوفا عليه .. ويصفعه خوفا منه .. ويركله لعله يخشى .. يضربه يخبره أنك أبني الصغير .. يصفعه يحذره ألا يمشي في هذا الطريق .. يركله لكي لا يذهب للظلام برجليه .. يضربه كي لا يضيع .. يصفعه ليشعره بمرارة الشتات .. يركله توقف هنا ولا تكمل .. يضربه يسترجيه .. يصفعه يتوسل إليه ,
    ضربه ضربا مبرحا كأنه كابوسا أفزعه في المنام .. ضربا لو أنزلوه بجبل لــهده .. يصفعه بقوة فهذا آخر الأمــل .

    لكن ياسر لم يشعر بالوجع ولم يحس بألــم فالخمــر أفقده الأحساس بأي شيء , لكنه كان يبكي حينما كان أبيه يضربه .. يبكي ويبكــي , والده هو الآخر يضربه ويذرف الدموع من كل ذلك الموقف الذي أحس بأنه سينتهي بأسوء مما يظن .. كانوا يبكون ويبكون بين هذا الضرب والصفع .. يبكون وينظرون لبعضهم البعض رغم كل الموقف الذي هم فيه .. ينظرون في عيون بعض .. أب وأبنه ينظرون لبعض .. نظراتهما كانت شيئا آخر غير الضرب والعتب والمسكر .. نظراتهما تحكــي آخر اللقاء .. آخر ما سيجمعهما .. آخر حدث لهمــا .. فتوقف الأب من لحظة غضبه تلك ..وتوقف عن ضربه .

    بعدما توقف أبيه قام ياسر بسرعة وتوجه نحو الباب ينوي الخروج والمغادرة .. وما أن وصل قريب من الباب حتى توقف قبل أن يمر منه إلى الخارج .. توقف وألتفت إلى والده .. توقف وهو في حالته تلك .. توقف ينظر لأبيه نظــرة .. نظرة أخيرة .. نظرة الطفل وأبيه .. نظرة تسمى الوداع .. نظرةٌ تخبر عن الفراق .. نظرة رحيل لا رجوع .

    أحس الأب بذلك الفراق بعدما قرأها بنظرات العين .. علم بأنه الوداع .. وما أصعب الوداع .. وما أصعب ما يقال في لحظات الوداع .. وما أصعب من وداع الصمت والعتاب .. ألم الرحيل بلا أحضان .. رحيل الدموع بدل الضحكات .. رحيلٌ يُقطع نياط القلب ويصيب الجسد بالقشعريرة ويوقف النفس , كان بينهما صمت يحكي اشياء واشياء .. صمتٌ نزلت فيه الدموع .. صمتٌ خنق عبرة المودعين وبح أصواتهم , غادر ياسر من الباب بعدهــا وكأنه لا ينوي الرجوع مرة أخرى .

    خرج من منزله يمشي باكيا .. يمشي حزينا ثمل .. مقهور مهزوز .. مقهور على أمه وأبيه .. حسرة لفراق أمه بلا نظرة .. بلا عبرة .. بلا دمعة .. بلا حنان يحتاجه منها .. بلا حضنً ليطمئــن عليها وتطمئن عليه قبل الرحيل , يمشي ويمشي ولم يلتفت وراءه ولم يتوقف .. وكأنه يريد أن يُبقي ما وراءه مجرد ذكرى عاشها ذات يوم , يمشي في الشوارع وفوق الأرصفة .. يخرج من سكة إلى سكة .. يذهب هنا وهناك .. بين هذا وذاك .. يخشى من سؤال كذا ومذا ., إلى أن أنتهت به الأقدار إلى رفيقه أحمد الذي يسلك درب الخطيئة معه .. درب الشوك والعثرة .. صديقه الذي خرج معه من قواعد المألوف إلى المحرم .. ومن حدود الصلاح إلى الطلاح .. صاحبه ومن يُقرقعُ الكؤوس معه ومن يشرب نخب الرفــاق بصحته ...
     
    أعجب بهذه المشاركة 'Smile
  3. انسان بسيط

    انسان بسيط عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2016
    المشاركات:
    40
    الإعجابات المتلقاة:
    71
    نقاط الجائزة:
    210
    الجنس:
    ذكر
    (الجـــــزء الثاني)



    كانوا مراهقين يظنون طيشهم مجرد لعبة يلعبونها ويتسلون بها كيفما أرادوا ويستطيعون انهاءها وقتما شاءوا وعلى طريقتهم وبالنتيجة التي يفوزون بها , غادروا إلى مدينة أخرى وسكنوا غيرها ومحوا من ذكراهم مدينتهم الأم .. نسوا مدينة الأباء والأجداد ورائحة الأهل , كانوا يلعنونها ويلعنون كل من فيها .. يلعنون كل قاطنيها .. يلعنون كل ذكرى جرت فيها , أحترفوا السرقة في تلك المنطقة البعيدة وأتقنوا صنعتها وأبتكروا فيها طرق عدة لم يسبقهم إليها أذكى اللصوص وأكثرهم دهاء .. كأنهم ولدوا لهذه المهنة فقط .

    مرت بهم سنين على جرمهم وسرقاتهم حتى أمتلكوا الأموال الطائلة وهم لم يبلغون بعد سن العشرين , كانوا يسكنون الشقق الفاخرة .. يأكلون ألذ الأطعمة .. يرتدون أحدث الملابس وصيحات عالم الموضة كأنهم من رجالات المافيا ويتعاطون أندر أنواع المخدرات والخمور وأغلاها ثمـن .. يعاشرون أجمل الفتيات وأكثرهن اغراءً .

    بدأت الشرطة تُضيق الخناق عليهم لكثرة الشكاوى ضدهم من أصحاب المحال والقصور التي سلبوها , ما أضطرهم ان يتوقفون مجبريــن وأيضا بسبب أنهم كان لديهم ثروة جمعوها تكفيهم لسنين قادمة فعزموا على التوقف لفترة .

    قرروا بعدها الأنتقال إلى مدينة غيرها ليختفون عن الأنظار ويبعدون شبح الشبهة عنهم أو أي خيط قد يقود إليهم ويفضح أمرهم أو حتى دليلً ربما نسوه ولم يمسحوا منه بصماتهم وتكتشفه الشرطة وتلقي القبض عليهــم .

    كان صديقه أحمد زير نساء حد النخاع فما بين شهر ويــوم يخرج مع أخرى بعدما يصطادُها بشباكه ويفعل بها ما يريد ثم يرميــها لزير نساء آخر يشابهه ..ثم يحضر غيرها كعادته بلسانه المعسول وأسلوبه الماكر وطريقته المخادعة , بينما ياسر يختلف عنه في ذلك وفضل عالم المخدرات وأنزلق فيه أكثر من صاحبه ودائما ما كان يحذر أحمد من ذلك الطريق وأن يتوقف عن التلاعب بالفتيات وأن يتركهن في طريقهن وحال سبيلهن ويكتفي بالنساء الغانيات الآتي يبعن أجسادهن فور رؤية المال .. وعدم ملاحقة الفتيات الآتي يبحثن عن الحب ويريدن الأرتباط في علاقات جادة وطويلة , ألا أن أحمد لم يلتفت إليه ولم يسمع له ما يقول فالنساء لعبته وخداعهن فنه ومعاشرتهن هدفه .

    ذات يوم وبينما ياسر نائم على فراشه في الشقة أحضر أحمد فتاة معه وأدخلها إلى الغرفة الثانية ليفعل معها ما يفعله بغيرها .. يحاول أن يجرها إلى الرذيلة معه .. ينوي التسلي بها وتركها لشخص آخر من طينته , ألا أن الفتاة بدت تختلف عن مثيلاتها .. ظنته جادً شريفا سيكون صديقا لــها وقد تنتهي علاقتهما بالأرتباط والزواج .

    راح يتلون معها كالأفعى ويلتف يمينا وشمالا .. يقول لـها كلمة هنا وكلمة هناك لكنها كانت ترفض , جرب معها ما جرب مع غيرها .. جرب معها كل الخدع التي يعرفها .. جرب جميع الحيل والأساليب التي يحفظها ألا أنهــا لم ترضخ ولم تنجر إلى الأسفل وتنزل معه بل ظلت تقاوم بكل ما تملك من نفس ولم تستسلم أو ترفع رايتها البيضاء كما فعلن من كانوا من قبل في مكانـها .

    عناد الفتاة أغضب أحمد وأشعره كأنهــا تغلبت عليه .. غضب منها لأنها في ظنه تدعي الشرف ولم ترضى أن تسلمه جسدها أو أن تخضع له ولنزوته التي اتخذها من الشيطان خليل , يصر عليها ويلـــح .. يحاول اغراءها بالمال والعطايا وتقديم أغلى أنواع العطور والهدايا ومزيدا من الحب والصدق معها , ألا أنها لم تصدقه أو تضعف له أو تتوسل إليه .. لم تكن تريد أظهار خوفها أمامه .. تحاول بشتى الوسائل تمالك شتاتها الذي تناثــر حولها فور معرفتها بحقيقته , لم يستطع أيجاد بابً ليدخل إليها منه .. لم يجد ما يغررها به , بدأ يعلو صراخهما ويحتد النقاش بينهما بنعم ولا , ما أوقظ ياسر في الغرفة المجاورة من نومه على صياح الفتاة وعويلهــا وبكاءها .

    نهــض ياسر من مكانه بسرعة ليتبيــن ما الخبر ؟ وما أن دخل عليهما حتى صُدم عندما رأى صديقه يضرب الفتاة بقوة ويصفعها ويحاول خلع ملابسها والأعتداء عليها وهو تحت تأثير المخدرات وتهيجه العقلي والجنسي ولم يشفع لها سترها أو حجابها أو ضعف حيلتها ويدها .

    دخل ياسر وأبعده عنها بالقوة وأخرجه من الغرفة وقاموا يتشاجران مع بعضهما بالدفع والألــسن وأحمد منغمس في نشوته فاقد الوعي بالواقع تحت تأثير ما أبتلعه.. ويصر على تأديب الفتاة لتعرف حجمها ومكانتها وألا تدعي الشرف وتحاول الصمود أمام نزواته وشهوته , ورغم ذاك تمكن ياسر من أجلاسه في الغرفة الأخرى .

    رجع ياسر إلى الفتاة يحاول تهدئتهــا وتخفيف الوطأة عليها وأبعاد الصدمة عنها , فقالت له ترتجف وتبكي وتغطي جسدها بيديها وهي ضائعةً مهزوزة تعيش دوامة قد لا تخرج منها :
    - أراد أغتصابي .. لقد كان يضربني يريد الأعتداء علي .. لقد .. لقد .. لقد حاول خداعي .. لم أظنه سافل هكذا .. لقد ضربني ، أنه مسخ .. حيوان .. نذل .. ما هذا بفعل الرجال .. هل الرجال كلهم هكذا ؟

    ياسر أجابها متفهما شعورها والحالة التي تمر بها :
    - حسنا .. حسنا , أعتذر عن وقاحته وأرجو أن تهدأي قليلاً؟

    قالت الفتاة تُتعتع في حديثها :
    - هل أعتدتم على فعل هذا الأمر , هل تضربن الفتيات وتتسلطن عليهن ؟

    ياسر بهدوء :
    - لا .. لا نفعل ذلك , ولكنك أنتي من أنجررتي معه ولا أحد غيرك ؟

    الفتاة بندم وحسرة تقر بفعلتها وتردد :
    - اخطأت.. لقد اخطأت بالفعل وأريد العودة إلى منزلي قبل أن تنشغل عائلتي بتأخري إلى هذا الوقت !

    ياسر :
    - حسنـا ..حسنا ، هيا معي لأقوم بإيصالك !

    غادروا الشقة وركبت السيارة معه على حالتها وصدمتها وخوفها .. لم تكن تصدق أن تجتمع الرحمة والقسوة .. لم تصدق خروجها من قفص الغول .. لم تصدق خروجها سالمة من هناك .. خروجها ولم تُمــس في الشرف .. لم تصدق نفسها كيف قاومت .. لم تصدق صلابتها وعدم الخضوع .. لم تصدق الأصرار في لحظات الخنوع .. لم تصدق بطُهرها الذي كاد ينجس .... لم تصدق جبروت الصمــود .

    أقتربوا من مكان منزلها , فقالت له :
    - أنزلني عند مدخل الحي على رأس الشارع .

    ياسر :
    - نعم .. أعرف ذلك , ولكن أرجو ألا تخبري أحدا بالذي حصل !

    الفتاة أجابته بسرعة مندهشة كالمفجوعة :
    - وهل جننت أنا لأفعل , ما حدث لن يتكرر ثانية .. أريد أن أمحو هذه الذكرى السوداء التي لطخت حياتي .. أنه عار سيلاحقني .. خطيئة ارتكبتها بوسواس شيطان .. ذنبٌ سأبحث له عن توبة .. أثــمٌ سأراه كل يوم , لقد دعوت الله على صديقك بالخوف والذل والمهــان .

    نزلت من السيارة بعدما شكرته لكل ما فعل .. شعرت بالحياة من جديد كأنها لتو ولدت .. تنظر للسماء تتوسل العفو والمغفرة .. تطلب الستر من العار .. ترجو التوبة وتنشد طريق الأبرار ، بينما ياسر رجع لشقته يوبخ صاحبه بأشد العبارات وأفضع الكلام ويصرخ عليه :
    - اللعنة عليك.. ماذا فعلت ؟ هل أنت مجنون أم ماذا ؟

    أحمد الذي كان في وضع هو نفسه لا يعرفه ..أجابه بسخرية :
    - لا تتفلسف كثيرا يا رجل , فلو لم تأتــي أنت لأنتهيت منها !

    ياسر :
    - ويحك ، كنت ستعتدي عليها !

    أحمد قال معبرا عن غضبه :
    - نعــم ..إلى أن أتيت أنت ؟

    ياسر :
    - أتيت لأمنع جريمة وقحة كدت ترتكبها !

    أحمد الذي شعر بالأزعاج مما يقوله , أجابه مستهزءاً :
    - أنظروا من يتكلم , أنظروا لمن يقدم النصح , لصٌ .. مدمــن .. ومنحرف ؟

    ياسر لم يهتم بحديثه كثيرا ، فقال :
    - لم أقل ذلك .. ولم أدعي بالحق .. ولم أزعم بأنني شيخ دين , ولكننا لا نغتصب النساء .. ليس هذا ما نفعله !

    أحمد :
    - حسنــا .. حسنا لا نريد عواطف وأشجان الآن , ما بك أصبحت لينــا هكذا ؟

    ياسر يشرح له السبب :
    - لم ألــين يا رجل ..لم ألين , ولكن لا أعرف .. لا أدري .. فـ مهما فعلنا وارتكبنا من جرم وكسرنا القوانين فهناك اشياء من المحرمات وترفضها النفس وتشمئز منها والعقل يظل يحذرك من فعلها .. هناك حدود لكل شيء دائما .. ومهما كنت قاسيا ولا تبالي ولكنك يجب أن تخشى العاقبة .. تخشى أنتهاك الحرمات .. تخشى تخطي حدود البشر والأبتعاد خوفا من أن تخرج من آدميتك أن فعلت , فلو تركتك تعتدي عليها فأننــا لن نختلف كثيرا عن الحيوانات .. سنصبح بهائــم لا بشر .. شياطين لا أنس .. مسوخ لا أشخاص .. حتى رحمة السماء ستُرفع ونكون بلا حجاب يحمينا من أي بلاء قد يحل بنـا , حتى أن الفتاة أخبرتني بدعاءها عليك وأن يصيبك ما أصابها من خوف وفــــزع ،

    أحمد :
    - يا رجل , لقد أصبتموني بالكآبة والنكد أنت وهي !

    تركه ياسر وغادر الشقة بينما أحمد أستلقى على فراشه وغطى في سباته لم يتأثر بشيئا مما حدث ومما سمع , فلقد كان مخدرا بمواد صنعت لضرب عقول البشر وسلب جيوبهم وتطويعهم للحيوان بداخلهم .. مواد تجردك من كل الصفات التي ميزت الأنسان عن بقية المخلوقات .

    بعد ساعات عاد ياسر إلى السكن بينما صاحبه يستمتع بلذة النوم , وعندما أستفاق أحمد كان يصد بوجهه عن رفيقه لا يتحدث معه أو ينظر مجرد نظرة إليه بسبب ما حصل , ألا أن ياسر لم يهتم كثيرا لما به.. بل أستلقى على سريره وغطى في سباته , بينما أحمد خرج من الشقة يحمل في نفسه شيئا منه .

    مرت أيــام ثلاث وياسر كان ينتظر صديقه الذي لم يرجع إلى الشقة ..بل كان غائب طوال هذه الليالي ولم يسمع خبر عنه , يتصل به ألا أن هاتِفهُ مغلق ولا شيء يوحي بأنه غادر المدينة , راح يسأل عنه هنا وهناك .. يسأل هذا وذاك .. يسأل أحيانــا وتارات , يبحث عنه في شوارع عديدة ولم يجده .. يبحث عنه في الأماكن التي يرتادها غالبا ولم يره أحد .. بين السكك والأزقة كان أحمد يتلافت .. وفي الجهات الأربع ينظر .. لكن لا شيء عدى الغموض وعلامات الأستفهام ،

    وبعد يأس من البحث في كل مكان وكل أرض لم يبقى أمامه عدى مكانين يجب أن يسأل فيهما .. المستشفيات والسجون , لم يكن يريد الذهاب هناك بادئ الأمر ولكنه مجبرا أمام سر الأختفاء ويجب عليه طرق كل الأبواب لعله يسمع جواب من أحد , راح يسأل في كل مشافي المدينة ولا خبر عن صاحبه .. ولا وجود له , وعندما سأل الشرطة أجابوه بما لم يكن يريده ويتمناه حتى عدوهــم .. فلقد ألقي القبض عليه وهو يسطو على أحد محال الذهب بسلاح ...
     
  4. انسان بسيط

    انسان بسيط عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2016
    المشاركات:
    40
    الإعجابات المتلقاة:
    71
    نقاط الجائزة:
    210
    الجنس:
    ذكر
    (الجـــــزء الثالث)



    وبعد تردد وخوف وتفكير عاشه ياسر ، ذهب مضطراً لزيارته في السجن ..وما أن دخل عليه وأطمئـن على صحته وأحواله حتى سأله ياسر يستفسر منه عن التفاصيل التي قد تدينه :
    - هل لديهــم ما يثبت الجريمة بحقك ويدينك ؟

    أحمد :
    - نعم يا رجل , ألقوا علي القبض وأنا بداخل المحل مصوبً سلاحي صوب رأس البائع والتهمة ثابتة ضدي .. ولا أدري بكم سيحاكمني القاضي !

    ياسر :
    - لا تخف ولا تحمل همً لذلك , لا تفكر في الأمر كثيرا , وأن كان هناك ما أستطيع أن أفعل لك فقل لي !

    أحمد لم ينسى ما جرى .. بينهما لم ينسى زعلهما .. فقال :
    - لا .. فقط أريدك أن تسامحني لتصرفاتي البلهاء ووقاحتي معك .. أنك تعلم جيدا بمكانتك لدي , وتعرف أيضا المخدرات وما تفعل !

    ياسر الذي لم يهتم كثيرا بتلك الحادثة أجابه :
    - لا تفكر في ذلك فلم يحدث شيء , مجرد سوء فهمً بيننا وأنتهــى !

    بعد برهة من صمت خيم على همساتهم , سأله أحمد عن الفتاة التي أراد المساس بها .. ومن أراد الأعتداء عليها .. ومن ضربها وصفعها وخدعها :
    - أريدك أن تُجيبني بالصدق ؟

    ياسر :
    - ماذا ؟

    أحمد :
    - هل تظن دعوة الفتاة قد أُستجيبت ؟

    ظل ياسر صامتً لم ينطق ببنت شفه , لا يدري بما يجيبه وكيف ...

    عند ذاك قاطع أحمد صمته يسأله ثانية وينشد الجواب .. يسأله عن دعوة قد أصابته بلعنة ما ربما :
    - أتظنني أستحق العقاب , أتظنني أستحق ما جرى لأنني حاولت الأعتداء عليها وسخرتُ من دعاءها ؟

    ياسر الذي أبتلع شيئا ما قد سد أرياقه أجابه :
    - في الحقيقة لا أدري , ولكن لما تسأل عن ذلك ولما تفكــر بها الآن .. فهناك اشياء يجب أن تنشغل بهــا ؟

    أحمد :
    - يا رجل , قد أسجن لمدة تزيد عن الخمسة عشر عام بهذه التهمة , ألا ترى بأن لدي الحق لأسمع الجواب وأعرف السبب الحقيقي لوجودي خلف هذه القضبان ؟

    ياسر الذي يحاول التملص من الجواب لا يدري بماذا يخبره , يريد التخلص من قول شيئا يخص هذا الأمر بينما أحمد يلح عليه ويلــح .. ينشد حقيقة أستجابة الدعوة ...
    ... عند ذاك أنقذهُ حارس السجن يعلن أنتهاء وقت الزيارة .. وكأنه الخلاص من معضلة خنقته وحبست أنفاسه في حلقه وكادت تقتله بلا حبل وبلا مشنقة .

    مرت الأيام وياسر بدوره أنتقل إلى مدينة بعيدة عن مكان حبس رفيقه لذلك لم يقم بزيارته بعدها عدى مرتين فقط بسبب المسافة الطويلة وصعوبة الموافقة على الزيارات والأجراءت المعقدة التي يضعونها والتدقيق على كل صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة في هذا السجن المحصن والذي يقبع فيه أعتى المجرمين واللصوص والقتلة , وقد حكم على أحمد 12 سنة دون أن يشمله أي عفو أو أطلاق سراح مشروط أو أعادة محاكمة .

    كان أحمد يعيش في السجن بما لم يكن يتخيله حتى في اسوء سيناريوهات قد تُكتب أو لم يتخيله حتى كابوس مرعب قد أرهبه في نومه ذات مرة .. لم يفكر بهكذا عالمً حتى عندما تعاطى أقوى مخدر صُنع , كان النزلاء يتلاعبون به فيما بينهما .. يتلاقفونه من كل جهة .. أغتصبوه واحد تلو واحد .. هذا يصفعه وهذا يبصق عليه وثالثً أتخذه عبدا من عبيده , كان ذليلً جدا بينهم ..أين ذهب عنه العز هكذا كان يسأل نفسه ؟ منكسر لا يتكأ على أحد .. خائفا لا يعرف للأمان سكة .. ضعيف لم يرحمه سجين .. ضائعا بين المساجين , فعلوا به اشياء يندى لها الجبين .. قسوة يخشاها الملاعين .. بلا حول ولا قوة .. بكاء في ظلمة الليل .. أرق تذرف فيه العين .. يسأل عن الخلاص وأين السبيل .. يصرخ : أنا المسكين فهل من رحيم ؟

    مع مرور السنين على محكوميته وتواجده في السجن بدأ يفقد توازنه وثباته كطفل يبحث عن حضن أمً ولم يجده , كان يهذي طوال الوقت بكلمات لا تُفهم .. يتمتم بنبرة مرهقة وأنفاس متعبة , يعاني هلاوس ذهنية ونفسيته باتت سيئة محطمة .

    جاء ياسر لزيارته بعد أنقطاع دام سنين طويلة ورآه بهذه الحالة التي تصعب حتى على من يملك قلب يخشاه أسد , ينظر إليه ياسر وقد أهتزت أركانه ووجدانه بقلب منكسر لحال رفيقه الذي يقبع خلف الحديد والأسوار , يتساءل في نفسه :
    كيف كان وكيف أصبح ؟ أين صلابته اين صموده ؟ أين أنهزم ومتى أستسلم ؟ ليس هو الذي أعرفه .. ليس هو كما أعرفه .. ليس ذاك الشامخ ليس ذاك الصنديد .. ليس الرفيق الذي شاركني الطريق .. ليس الجريئ الذي خاض الصعاب .. ليس المتهور الذي أقتحم المنايا ولم يتراجع .. ليس هو .. ليس الذي أعهده .. ليس ذلك الذي سخر من الموت وتسلى في المقبرة .. أنه شخص آخر .. شخص لا يشبهه .. شخص ذات مرة أخاف حشد من الناس لوحده .. شخص طارد قطيعا من الذئاب .. شخص مختلف .. في كل شيئا مختلف .. في هيئته وهيبته .. شعوره ومشاعره .. حسه وأحاسيسه .. صوته ونبرته .. حياته وحيويته .

    يسأله ياسر بعد لحظات التفكير والأسى على رفيقه ويطمئن عليه :
    - كيف أحوالك , هل أنت على ما يرام ؟

    كان أحمد يهز برأسه قليلا في اليمين واليسار حزينا ليس في كامل عقله وقواه , يدخل أصابعه بين الشبك العازل عن خارجه وصاحبه .. يطالع الأرض بخجل , بكى بكاء الجسد لا العين .. أهتز جسده بكاءً لا صوت له .. بكاء أخرج صدى لا دموع .. بكاء ألحان لا آلـــة .. بكاء ونات لا كمان .. بكاء غردت عليه الطيور ألــم .. بكاء لم يُسمع طنينٌ مثله قط , لم يحتمل ياسر ذلك المشهد فــ أراد أن يخفف عنه , فقال يشد عضده :
    - أحمد .. أحمد , أرفع رأسك .. أرفع رأسك كما كنت من قبل .. كن شامخ ولا تدع الغير يراك منكسر فيستفحل عليك ويستغل ضعفك !

    لم يكن يدري ياسر بما جرى لرفيقه وما عانه في السجن من بقية المساجين وكم ذاق من ويلات وويلات .. وكيف أنتُهك وأُغتُصب وأستباح شرفه ولم يجعلوا فيه شيئا من المحرمات .. ولم يبقوا له خطوط حمر إلا تجاوزوها وأوصلوه إلى حافة الجنون والقهر , فقال له أحمد بصوت خشن متحشرج مبحوح بالحقيقة التي نزلت كالصاعقة على رأس صاحبه وأخرسته :
    - عن أي شموخ وعن أي صمود تتكلم يا رجل , ومن تعني بالفحل ؟ الذي أمامك ليس بالقوي ولا بالصلب ولا بجبل لا يهتز منه الريح , أنني أهتز بالنسمة الان وبدفعة واحدةً أطيح , أستغلوا حتى أنفاسي وما أقول , بت عبدا لأحد .. خادمً عند خسيس .. يملكني لقيط !

    كان ياسر متماسكا إلى أبعد نقطة يصلها الأنسان قد تجعله ينفجر قهر وغضب لا يحتمل بعدما سمع أنين صاحبه وشكواه وحسرته ورأى الضعف والخوف في عينيه , ألا أنه لم يفعل ذلك بل لملم شتات نفسه التي ضاعت بداخله وقال يشجعه :
    - لا تضخم الأمور , أعرفك جيدا تستطيع أن تستجمع قواك وتستعيد صحوتك وتبدأ من جديد وتعيد كل شيئا فقدته ...

    قاطعه أحمد بحسرة وضيم ليرمي عليه قنبلة هيدروجينية أخرى تدوي على مسامعه يصل مداها قعر المحيط :
    - أنني مصاب بالإيدز !

    شعر ياسر بإن الأرض تلتف تحت قدميه وتلفه معها , أهتز بقوة في مكانه لقوة أنفجار القنبلة التي ألقيت لحظتها , عقد حاجبيه مستغربا يسأل ليتأكد ما ظن أنه سمع :
    - ماذا ...؟ ماذا قلت ...؟

    أحمد :
    - نعم , قبل شهر قاموا بعمل تحاليل وفحوصات لدمي وتأكدوا من ذلك .

    ردد ياسر ثلاث :
    - يا إلهي , يا إلهي , يا إلهي .. لكن كيف ؟

    أكمل أحمد بصفعة ثانية تجعله يتألم منها أكثر من دوي القنبلة الأولى :
    - بسبب الشذوذ , فالنزلاء معظمهم أعتدوا علي هل تصدق ذلك ؟ ومن سخرية الأقدار الآن يهربون مني ويبتعدون عني , يعايروني ويتشمتون بي , ولكن لا تخف أخبرني الطبيبب بأنني لن أعيش طويلا شهر أو شهرين وسأفارقكم وأرتاح من همكم وهم عالمكم ومن كل هذا العار .

    شعر ياسر بأن الأرض والسماء قد أُطبقت عليه .. تلقى ضربة وضربتين موجعتين من رفيقه كلتاهما أشد مرارة من الأخرى .. ضربة المرض وضربة الموت , أحتار في أمره وضاع مع الأفكار .. يستجمع شتاته خشية من أن ينهار , فلقد ضاع صاحبه وضاع معه .. ضاع بين اشياءه واشياء صاحبه .. بين حزنه ودموع صاحبه .. بين الأحاسيس كلها ضاع , لا يدري ماذا يقول له ليخفف وطأته ويهدأ روعته ويشعره بالطمأنينة .

    كان ينصحه بالثبات ويوصيه بالدعاء .. ينصحه بالصلاة ويوصيه بالصيام .. ينصحه بقراءة القرآن ويوصيه بختمه .. ينصحه بعدم اليأس ويوصيه بطلب الغفران لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا , عند ذاك سأله أحمد ما كان يسأله في كل زياراته عن سؤال يبحث له عن جواب منذ لحظة الشؤم تلك التي أصبح فيها خلف القضبان :
    - هل تظن دعوة الفتاة أستجيبت , أرجوك قل لي ؟

    لم يتخيل ياسر أن يكون في موقف كهذا يوم من الأيام .. لم يتخيل سيناريو مكتوب بهذه الحرفية والدقة .. سيناريو كل الأحداث فيها مرتبة وراء بعض .. سيناريو المرض والموت .. سيناريو الدعاء والأستجابة .. سيناريو لعنةٌ صبت على صاحبها لعنات , فكر قليلا وفكــر ثم أجاب :
    - لا أعتقد ذلك , لأنها لم تدعو عليك أصلا .. لقد كذبت لأجعلك تشعر بالذنب فقط !

    أوقف أحمد كل مشاعره المتعبة وقال :
    - أحقــا ؟

    ياسر :
    - نعم , وأنت صدقت ذلك بهذه السهولة أيها الأحمق !

    كاد احمد يطير فرحا بلا أجنحة ولا ريش .. تبسم وضحك أخيرا بعد صمت وحزن هذه السنين وكأنه شفي من كل أمراضه وعلاته , أجتاحته سعادة غابت عنه ليالي تجرع فيها أنواع العذاب كلها , فقال له بعدما صدق الكذبة :
    - تبا يا رجل , أنني غبي وصدقتك .. لقد أدخلت السرور إلى قلبي , ويحك لقد نجحت في خداعي فعلا , الآن أشعر بالسعادة وسأموت مرتاح الضمير وهانئ البال !

    ياسر الذي غمرته سعادة أكثر من رفيقه قال :
    - الحمد الله بأننا رأينا أبتسامتك أخيرا .. كن هكذا كما عهدتك دائمـــاً ولا تفكر في ما سيجري اليوم أو غدا وستكون بخير !

    ظلوا يتحدثون ويتكلمون .. يسترجعون الماضي يسترجعون الذكرى .. يسترجعون الفتوة والصبا .. يسترجعون المراهقة والطيش , يتساءلون عن أيامهما كلها وعمرهما كيف أنقضى , إلى أن أنتهت ساعات الزيارة وحان وقت الفراق .. حان وقت الوداع .. وقت الرحيل .. الوقت الأخير .

    ودعا بعضهما البعض وداع نظرات تدمع .. وهمساتٌ تُعاتب .. وأنفاسٌ تتواصل .. وأياد يفصل بينها حاجز وشبك , أبتعدوا عن بعضهما بخطوات ثقيلة تهز الأرض .. كانوا ينظرون لبعضهما نظرة أخيرة .. يسمعون الهمسة الأخيرة .. يقولون عبرة أخيرة .. يودعون الصداقة الأخيرة .. الأخوة الأخيرة .. الوقفة الأخيرة .. لحظات بعد كل ذاك ....حتى أفترقــا ...
     

الاعضاء الذين يشاهدون محتوى الموضوع(عضو: 0, زائر: 1)